ابناؤنا و وسائل التربية الخطأ

المصدر: موقع بصائر

لا شك أن التربية أسلوب ومسار وتوجيه، وتصحيح اعوجاج، وغرس قيم، وكل هذه الأمور لن تحدث بالجهد اليسير؛ فهي تحتاج إلى فهم ووعي واطلاع وقراءة وطلب مشورة، وقبل كل ذلك دعاء خالص متجرد لله بأن يصلح حال الأبناء.

ولا شك أن البعض قد أصيب بصدمة من العنوان أو بشيء من التحفظ، لكن الغرض هو تصحيح مسار التربية أسلوباً وتوجيهاً للشكل السليم الذي يرضي ربنا في المقام الأول، ثم يريح الآباء ويضمن استقراراً نفسياً للأبناء.

ونحن سنجتهد -وفق فهمنا للتربية– في أن نصحح الفهم؛ كي نصل بأبنائنا -مقلة العيون- إلى بر الأمان -تربوياً ونفسياً- ولإفهام الأسرة دورها بالشكل الرائد الذي يليق بها كحاضنة ووعاء يرعى ويوعّي ويخرّج جيلاً يفخر به الجميع، وهذا هو المرجوّ والمنشود، ولذلك فإننا سنحصر أهم الوسائل والأساليب الخاطئة التي تمارس مع الأبناء من قبل الآباء، وذات التأثير الشديد في الاتجاه السلبي على الأولاد.

1. الضرب

والمعنى واضح ولا يستبدل بالعقاب من باب الراحة والتهرب من اللوم، فهناك فارق بين الضرب لذاته، وبين العقاب على الخطأ، والضرب المقصود هو ذلك المبرح الذي يرتبط بمزاج وعصبية الوالدين، فلا يتقبلان أي تقصير أو تهاون أو مزاح من الطفل، ولا يتحملان شكواه فيلجآن إلى الضرب معتقدين أن الضرب سيحل الإشكال، سواء بالصمت أو الخوف، ولا يدريان أنهما بذلك الفعل يقتلان طاقات بدأت تنشأ لدى الطفل ويحطمان درجات من الحب، فضلاً عن زرع المزيد من الفزع والخوف والميل للانطواء، وهو داء لو يعلم الآباء كم هو خطر وعظيم.

2. التجاهل والإهمال

إن تجاهل الأبناء سواء على المستوى الظاهري -من الاهتمام بالزي والصحة والمأكل والملبس- أو المستوى الداخلي –من الاهتمام بالبنيان والجسد والمتابعة الصحية المتعددة- يعد من أسوأ أساليب الفهم في التربية، فلا عذر لأب أو أم.

فالتجاهل قصور شديد وهو أسلوب لا يمت للتربية من قريب ولا بعيد، فالبعض يقول: “دعوهم، وسيعودون عندما يشعرون بالجوع أو عندما يبكون” وكأن الطفل يدرك مصلحته ويحدد قراره، وظني أن هذا فرار من المسؤولية في المقام الأول.

لكنني أحذر أن كثيراً من البيوت هدمت بسبب الإهمال في تربية الأبناء، لذا فعلى الجميع أن يعي ويتحمل المسؤولية بفهم ووعي بعيداً عن الخرافات.

3. اختلاف الصلاحيات

وهذه النقطة غاية في الخطورة؛ فبعض البيوت يحدث فيها شيء من التفويض من قبل الزوج لزوجته، والبعض يفعل العكس، فيترك الزوج لزوجته مهام التربية بشمولها، وهو يتولى مهام الإنفاق، وهذه طامة كبرى، فالمرأة لا تستطيع أن تؤدي جميع الأدوار التربوية وحدها، ولو لم يكن لديهم سوى ابن واحد؛ فغياب الأب عن التوجيه له أضرار في تنشئة الشخصية نفسها، وعليه أدعو أن تكون الإدارة التربوية في البيوت متزنة راجحة، مع تقديم صاحب الفهم العالي سواء كان الزوج أو الزوجة؛ فالأمور حسب الواقع وليست بالتنظير والإنفاق.

4. وصايا الخارج

إن أي زوجين ليسا في منعة أو عصمة من بعض التوجيه الخارجي، والبعض يعده حقاً محفوظاً، فمثلاً تنصاع الزوجة لنصائح أمّها في تربية أبنائها، ضاربة المثل بأن هذا ما ربتها -هي وأخواتها- عليه، فتميل الزوجة الشابة لنصح أمها المسنّة، وتبدأ في التطبيق، واضعة في ذهنها حال أخواتها مثلاً، وهذا الأمر له وعليه.

ما له؛ لأن الأزمنة السابقة فيها بركة وخير ونقاء من الناس فعلاً، ويظهر جلياً في السابقين، وربما يكون إيجابياً في غرس هذه المشاعر والقيم الباقية.

وما عليه؛ لأن كل جيل له تفكيره، وما قد يصح في الماضي ربما لا يتناسب مع جيلنا الحالي.

فمع تسليمنا بنبل المقصد، إلا أننا كمتخصصين نحذر الزوجين بأنه ليس كل ما يأتي من وصايا الأهل صواب، أو يمكن أن يتماشى مع تفكيرهم، وعليه فإن الأخذ به كثيراً ووضعه كميثاق للبيت ربما يصيب الأبناء بشيء من الفتور، فضلاً عن الكره إذا ما علموا أن كل تضييق وتحديد لما يريدونه وأن الخوف الزائد والمنع والمنح هو بتوصية من جدتهم أو جدهم، وعندها تكون المشكلة أكبر، وفي ذلك فالفهم هنا طوق نجاة، والاعتدال سر النجاح التربوي.

5. الإفراط في الخوف

إن الخوف فطرة طبيعية جُبِلَ عليها المرء، وهي أكبر عند الأمهات والآباء على أبنائهم، وهو شيء لا ضرر منه، لكن -في التربية- خوفان:

– خوف محمود: وهو المعتدل الذي يضيف للأبناء مزيداً من التعلق بآبائهم، ويضيف للآباء مزيداً من الإحاطة والحنان العاطفي والتوجيه لأبنائهم بشكل يضيف للجميع -كأسرة- استقراراً نفسياً وأسرياً مريحاً.

– وخوف مذموم: أو فقل به نظر، وهو الذي يكون بدون سبب، وهو مفرط بغير داعٍ، فتجد الخوف من النزول للشارع برغم أمانه، أو مصاحبة الابن لكبير كأبيه أو شقيقته، وخوف من اللعب في مكان ما خوفاً من افتراض حدوث إصابات للأبناء، وكل هذه الأمور خوف مفرط لا يضيف للأبناء بل يتعب الآباء، وعليه فعلى الجميع أن يفرق بين الخوف الذي يزيد الرابط والتعلق، والخوف الذي يحدث معه نفور.

ختاماً، إن التربية الحقيقية هي حب وحنان، وتلك قوة تمنع أيّ انهزام، وتصحح أي اعوجاج، وتؤسس لشخصية قوية يفخر بها الإسلام، وهذا دور لو تعلمون عظيم.