عقيدة الحلول والاتحاد في ثوبها المعاصر

بقلم الشيخ الاستاذ سفيان ابو زيد

مفاهيم من الحلول إلى الاتحاد..
من العقائد الدخيلة التي تلبست بلبوس الإسلام والتبست على بعض العباد والزهاد، عقيدة الحلول وعقيدة الاتحاد، والمقصود بهما بشكل مختصر أن الحلول هو حلول الخالق في المخلوق، والاتحاد هو اتحاد الخالق بالمخلوق…
ولا شك أنهما عقيدتان فاسدتان، إذ الخالق لا يحل في المخلوق ولا يتحد معه، فالخالق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، الكبير، المتعالي، الأول والآخر والظاهر والباطن..
لن نخوض في تفاصيل هذا المعتقد ولا في الرد عليه لأنه ليس موضوعنا في هذا المقال..
صورة الحلول والاتحاد في عصرنا الحاضر والتي يراد ترسيخها في عالمنا العربي على وجه الخصوص، هي حلول واتحاد أفرزتهما أجواء الاستبداد والتخلف وانهيار منظومة القيم وصروح العزة والكرامة الإنسانية، وليس هذا الحلول أو الاتحاد كسابقه ناتج عن حركة فكرية تأملية وإن كانت في مسارها ومآلها خاطئة، وإنما هما ناتجان عن جمود فكري، ونزوع شهواني، وطمس لكل معالم الانسانية التي كبلت بقيود الاستعباد، مع تكريس ذلك وترسيخه عبر وسائل إعلام مأجورة ومناهج تعليمية بالية وسياسات خانعة وعمائم مستفيدة وتيارات حداثية عميلة.

إنهما عقيدتا حلول مفهوم الوطن في شخص
واتحاد مفهوم الوطن مع نظام

من الحلول إلى الاتحاد:

إذا سئل أحدنا بعيدا عن كل تأثير، ما الوطن؟ فستكون إجابته الوطن هو ذلك التراب وتلك الأرض التي ينتمي إليها أحدنا، والتي نشأ فيها وترعرع، وعاش الذكريات في أزمانها وأماكنها وأجوائها، ويشعر فطريا بالانتماء لها والغيرة عليها، والفرح لفرحها، والحزن لحزنها، والشفقة على مرضها، والذب عن حبات ترابها .. هذا هو الوطن في خلد كل منا بغض النظر عن فكره أو دينه أو انتمائه..

إذن فهي علاقة فطرية مجردة عن التشخيص أو عن أي تأثير ..

ولكن هذا المفهوم المجرد، قد تسللت إليه بعض الفيروسات والأيدي، لتلعب في نظامه، وتلوث صفاءه، وتلغي تجرده، لتُحِلَّه (من الحلول) في شخص، فيضيق فضاؤه وتعتم شفافيته، وتقتم حريته، فينتقل من ذلك المعنى الفطري المتجرد إلى شخصنة مفصلة، فيصبح الوطن هو ذلك الشخص، وذلك الشخص هو الوطن، فأي مساس بذلك الشخص أو انتقاد له يصير انتقادا للوطن ومساسا بالوطن، وبالتالي تتوالى الاتهامات الأخرى من خيانة وعمالة وغيرها من التهم الجاهزة، ويساهم في تحريف الكلم والمفاهيم عن مواضعها ترسانة إعلامية هائلة مدربة على ذلك ومتقنة لدورها، ومناهج تعليمية تصل بالدارس والمتعلم إلى درجة الازدواجية بين الأمرين فكلما ذكر الوطن فمعناه الشخص، وكلما ذكر الشخص فمعناه الوطن، كما يساهم في ذلك جهاز ديني عمائمي من شتى الاتجاهات والتيارات من غلاة التصوف إلى عتاة السلفية، إذ يجعلون ذلك الانتقاد وذلك التظاهر وتلك الجهود الإصلاحية رجسا من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلهم يأمنون ويحافظون على امتيازاتهم ومناصبهم، ويزيد ترسيخ ذلك وتفعيله هالة الإرهاب التي تدفع العقول لترسيخ ذلك التصديق، ونحت تلك التصورات، وإلغاء وحذف تلك المعاني الفطرية والحقيقية للوطن..

ومن مرحلة الحلول هذه ننطلق إلى مرحلة الاتحاد، التي تضيف إلى ذلك الشخص كل أركان ومعالم نظامه، فلا وجود لذلك الوطن إلا بقيادة ذلك النظام، ولا مستقبل لذلك الوطن إلا في ظل ذلك النظام، ولا أمن ولا استقرار لذلك الوطن إلا في حضن ذلك النظام، وأي تفكير في انتقاد ذلك النظام، أو تعديله فهو خيانة وعمالة وخروج يستدعي العقاب القانوني، والقصاص الشرعي، والتخوين والتشويه الاجتماعي، فلا وطن إلا النظام.

وكما سبق أن ذكرت يعين على ترسيخ ذلك، مجموعة من المؤثرات الإعلامية والدينية والتعليمية والثقافية التي جهاز تحكمها في يد ذلك النظام، وتصل درجة ترسيخ تلك المقاليب (أي المفاهيم المقلوبة) إلى نفور الناس من كل داع إلى تغيير أو إصلاح أو معارضة حقيقية أو ناصح، ونعته بأنه متهور أو متلون أو عميل أو فتان أو مرجف…أو بكل ذلك أو بعضه لأنه تمكن من عقولهم وعقائدهم مفهوم اتحاد الوطن بالنظام.
وفي المقابل، هذا ما جعل منسوب حب الوطن بوصفه الضمني الملوث بعقيدة الحلول والاتحاد يضعف بل ينعدم عند كثير من الشباب وجعلهم يقدمون أحيانا مصالحهم الشخصية على ما يدعوهم إليه الوطن بوصفه الضمني، بل قد يلقون بأنفسهم في تهلكة البحار هروبا من ذلك الوطن بتعريفه المشوه والمشوب بشوائب الشخصنة والاستبداد والمصالح الخاصة التي لا تصب إلا في اتجاه واحد..

ومن الأسباب المهمة في عدم وصول ثورات الربيع العربي إلى مبتغاها الإصلاحي المنشود، وانتعاش الثورات المضادة، هو أن الأخيرة وجدت بيئة آمنت ولقنت عقيدة الحلول والاتحاد في ثوبها المعاصر…

إذن فليخصص أصحاب الفكر والوعي حيزا من دعوتهم وجهودهم في تصحيح المعتقدات والأفكار لمكافحة عقيدة الحلول والاتحاد في صورتها المعاصرة..