شمروا قبل أن تستبدلوا

من مقال للأستاذ الفاضل أحمد السيد

إن مما يجعل النفوس ميّالة إلى الكسل هو عدم وجود ما يستثيرها ويهيجها للمدافعة والمصارعة، فتركن للدعة وتطمئن إلى الخمول، فإذا ما نوزعت فيما عليها غضاضة فيه، وأدركت قرب الخطر، ونُذُر الكارثة، انتفضت من نومها، وانتهضت إلى العمل والجد والنشاط.
غير أن الناس يختلفون في نوع الخطر الذي يهيجهم ويستثير كوامنهم.

وإذا أردنا أن نتحدث عن واقعنا، فإن من الناس من لا تراه قلقا، ولا مهتما، ولا مستجمعا كامل قواه، ولا متهيئاً للبذل والتضحية والصبر إلا عندما يشاهد مباراة فريقه المفضل، فإنك تتعجب من نزعه لباس الخمول والكسل ومن توافر همته وحضور مشاعره وتضاعف غضبه حال متابعته للمباراة، ثم تُدهَش من إقبال نفسه وانبساطها إلى البذل والعطاء واسترسالها في ذلك حال فوز فريقه المحبوب، ومن انقباضها وانغلاقها واحتمالها أشد الهموم حال الهزيمة.

ومن الناس من لا يحركهم إلا عشق المحبوب، أو الرغبة في وصاله، فتراه في سائر أموره فاتراً متماوتاً لا يُنتفع منه بشيء، حتى إذا ما خشي فوات المحبوب، انبعثت فيه القوى، وتوافر له الدهاء، واستجمع أنواع الحيل، وصبر وصابر ورابط حتى يظفر بمحبوبه.

ومهما قلبت بصرك في الناس رأيت أن الكسول الخامل منهم لا يكون على هذه الصفة في كل أحواله، غير أنهم يختلفون فيما يُحركهم ويبعثهم إلى العمل والعطاء.

وبعد؛ فإن من النفوس من لا يبعثها ولا يستثيرها شيء كإدراكها الخطر الذي يهدد الإسلام، ولا يُنهضها من سباتها أمرٌ كرؤية تطاول السفهاء على محكمات الدين وثوابت الشريعة، فإذا رأوا ذلك، خفقت قلوبهم، واحمرّت أبصارهم، واحتمت صدورهم، فانطلقوا إلى مواجهة هذا الخطر، ومناكفة هؤلاء المتطاولين، فمنهم من ينطلق إلى التزود من العلم بنية عظيمة صالحة، وهي رد صولة المعتدين على القرآن والسنة، ومنهم من ينبعث إلى التأليف والكتابة في الأمر الذي يرد به العادية عن الإسلام بعد أن كان يكتب به غث الكلام وحواشي الأمور وقشورها، ومنهم من يقصد المنابر فيصدع بصوته وبيانه القلوب، ومنهم من يعمد إلى مناظرة رؤوس المضللين والمـُشككين في الإسلام، فيكسر صولتهم بمنطق العقل، ورزانة القول، واستقامة الحجة.

فإذا كثر في الناس أمثال هؤلاء، وازدانت الدنيا بهم، فإنه ينتج من ذلك خير هو أعظم مما كان موجودا قبل أصوات الخطر ووجود التحديات.

ألاَ فليدرك من كان يهمه أمر الإسلام أن بواعث العمل قد اكتملت أسبابها، وأن نُذُر الخطر على الأبواب، وأن هناك مدّاً من التشكيك في الإسلام وزعزعة الإيمان قادمٌ قد ابتلَّت به الأقدام، ويوشك أن يصل باقيه وآخره فيُلجَم الأفواه ويغمر النواصي.

فمن لم ينبعث -في هذه المدة- إلى تقديم ما يحمي العقول، ويحصن الأفكار، ويغيث القلوب، فليوفر همّته للبكاء على الأطلال، والنوح على الديار.. أو ليكن مستعداً لسنة الاستبدال (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم).