اليأس مثل الأمل يصنع التغيير

بقلم رفيق الشمراني بتصرف

اليأس مثل الأمل يصنع التغيير أيضا، فكلاهما صنعا التقدم البشري، هذه الجدلية النادرة باتت تتفاعل اليوم في التاريخ الحاضر للأمة العربية على نحو جديد وغير متوقع، فاليأس يفتح سيكولوجيا بوابة إلى الأمل، بل إلى التحدي، وهذا ما بدأ ينمو اليوم، فالأمل ليس هاجسا، بل هو مبدأ أخلاقي موضوعي فاعل في كل معادلات التغيير وبناء الأمم عبر التاريخ، فالشواهد التاريخية والنفسية تدفع الإنسان والأمم إلى الأمل بعد اليأس لتصنع تاريخا جديدا.

لقد أمد القرآن أممه بهذا الشعور بأسلوب يخرج من الأمة الميتة أمة كلها حياة وهمة وأمل وعزم، ولقد عاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على الذين ينفرون الناس، ويضعونهم في موقع الدونية والهزيمة النفسية، فقال صلى الله عليه وسلم: “إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم”. إن الانحدار إلى القاع ليس هو الكارثة، لكن الكارثة هي الاعتقاد أنه لا سبيل إلى الخروج من القاع، إن الدواء ليس في بكاء الأطلال وندب الحظوظ، وإنما يكون في الترفع عن الواقع ومحاولة تحويل عوامل الضعف إلى قوة، واليأس إلى أمل، والهدم إلى بناء ونهوض وتعمير.

إن قراءة التاريخ في أيام الأزمات تمنحنا الأمل بأن الواقع سوف يتغير، فقد نجا الله موسى وقومه بعد صبر وجلد، وهجرة ومطاردة، “فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون “قال كلا إن معي ربي سيهدين”. ولقد بين لنا القرآن الكريم نموذجا آخر من هذا الأمل في قصة يوسف عليه السلام، حيث لم ينقطع الأمل عن يعقوب عليه السلام لما فقد يوسف، وازداد أمله في الله حين فقد الابن الثاني، فقال: “عسى الله أن يأتيني بهم جميعا”، وعسى عند أهل اللغة تفيد الرجاء واليقين.

نحن أمة لا تموت!

محمد رسول الله، نبي الأمل إلى الإنسانية كلها، هجر من أرضه وهاجر قومه إلى الحبشة وإلى المدينة، هاجروا لبناء تاريخ لا يأس ولا جمود فيه، وعاد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة فاتحا، وعاد أصحابه مفاتيح نور وحياة وأمل وتجديد، عادوا فاتحين مبشرين بأمل جديد وبنفوس تحمل البناء والعفو. فلو قدر لهذه الأمة أن تموت لماتت يوم حوصر -عليه الصلاة والسلام- في الغار، ولو قدر لهذه الأمة أن تموت لماتت يوم أحد، ولو قدر لهذه الأمة أن تموت لماتت يوم الخندق، يوم الأحزاب، المعركة التي لم تكن معركة خسائر بل معركة أعصاب وبقاء وبشائر بالفتح، ولو قدر لهذه الأمة أن تموت لماتت يوم توفي النبي عليه الصلاة والسلام، ولو قدر لهذه الأمة أن تموت لماتت يوم الردة، يوم تخلت العرب عن دينها وعادة لجاهليتها، لولا ثبات الصديق وإيمانه بسمو مبادئ الرسالة الأعظم في تاريخ الحياة.

ولو قدر لهذه الأمة أن تموت لماتت يوم اجتاح التتار بغداد، يومها كانوا كما اليوم في حلب الفيحاء، يمارسون تدمير المدن، وخراب العمران، يومها عملوا في الأمة ما لم يعمله أحد قبلهم، أسقطوا الخلافة، وعطلوا الصلوات، وألقوا الكتب في نهر دجلة، حتى اسود ماؤه من كثرة ما سال من مداد الكتب، حينها قال المؤرخ ابن الأثير: “ليت أمي لم تلدني، ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا”.

ولو قدر لهذه الأمة أن تموت لماتت يوم اجتاح القرامطة مكة، وذبحوا الطائفين حول بيت الله، واقتلع زعيمهم يومها الحجر الأسود من الكعبة، ووقف يصرخ بأعلى صوته في ساحة الكعبة.. أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟، فالتاريخ يعيد نفسه اليوم في حلب بصور مختلفة. لو قدر لهذه الأمة أن تموت لماتت في الجزائر على أيدي الفرنسيين، ولماتت في البوسنة على أيدي الصرب، ولماتت في الشيشان على أيدي الروس، ولماتت في بغداد، وفي حلب، لكنها أمة لا تموت لأنها أمة الاستخلاف في الأرض والتمكين.

سيكولوجية الأمل الواقعي!

فالأمل الموضوعي القائم على اعتبارات عملية تنبع من الجهد الإنساني يعتبر أساسيا في تنشيط حركة التاريخ وتسريعها، وجعلها تتغلب بيسر على ما يعترضها من صعوبات ومعوقات، يرفض الواقع التجريبي الحافل بالمعوقات نحو مستقبل مثالي مشروط بالعمل، ومن وجهة نظر سيكولوجية يمنح الأمل الإنسان شعورا أكثر من مجرد المواساة وسط الأحزان، فالإنسان يعيش في الحاضر مشدودا بين وترين، الماضي والمستقبل، فهو يحمل الماضي في وعيه، وفي ذاكرته، وفي تركيب جسده، مثقلا بأحزانه وأفراحه، ومخاوفه وأماله، مندفعا بها نحو المستقبل، بل يؤدي دورا فاعلا في الحياة بصورة مدهشة، فالأمل يرتبط إيجابيا بالثبات الانفعالي والصلابة النفسية والرضا عن الحياة.

إن الإحساس بالأمل أحد العوامل المهمة والمؤثرة في تحقيق الاستمرار في الحياة الحضارية، فالأمم تحتاج إلى الأمل كما الفرد، فليس الفرد فقط هو من يعيش بالأمل، بل الشعوب أيضا، فالأمل هو عنصر حاسم في أي محاولة لإحداث تغير اجتماعي يتسم بالوعي والتنظيم، وقوة أساسية في حياة البشرية. يا أنتم .. الأمل تصنعه إرادة نابضة عرفت كيف تتحرر، نفس تضيء، وهمة تتوقد.