هجرة و صحبة

المصدر: من كتاب (إيقاظُ الهِمَم في شرْحِ الحِكَم) لابن عجيبة الحسني ـ منقول “بتصرّف يسير”..

قلت: الهجرة هي الانتقال من وطن إلى وطن آخر بحيث يهجر الوطن الذي خرج منه ويسكن الوطن الذي انتقل إليه، وهي هنا من ثلاثة أمور: من وطن المعصية إلى وطن الطّاعة، ومن وطن الغفلة إلى وطن اليقظة، ومن وطن عالم الأشباح إلى وطن عالم الأرواح.
أو تقول: من وطن المُلْك إلى وطن الملكوت، أو من وطن الحِس إلى وطن المعنى، أو من وطن علم اليقين إلى وطن عيْن اليقين أو حقّ اليقين. فمن هاجر من هذه المواطن قاصداً بهجرته الوصول إلى رضى الله ورسوله، أو الوصول إلى معرفة الله ورسوله فهجرته موصّلة له إلى الله ورسوله على حسب قصْده وهِمّته، ومن كانت هجرته إلى حظوظ نفسه وهواه فقد خاب قصْده ومسعاه، وغاية هجرته ما هاجر إليه، وكانت هجرته زيادة في جر الوبال إليه.
فافهم أيّها السّامع قوله عليه الصَّلاة والسَّلام “فهجرته إلى ما هاجر إليه” وتدبّره واعرضه على قلبك ونفسك، وانظر هل فيك بقيّة من الالتفات إلى ما هاجرت منه، أو فيك حظٌّ سِوَى ما هاجرْت إليه من رضوان الله ورسوله أو معرفة الله ورسوله، فإنَّ الله غيور لا يحب لمن طلبه أن يطلب معه سِواه، ولن يوصّل إليه من بقي فيه بقيّة من حظّه وهواه.
وسمعت الشيْخ اليزيدي يقول: إن أردتم أن تعرفوا: هل رحلت أنفسكم من هذا العالم إلى عالم الملكوت أو لم ترحل، فاعرضوا عليها الأمور التي كانت تشتهيها وتميل إليها واحداً بعد واحد، فإن وجدتموها رحلت عنها وخرجت محبّتها من قلبها ولم تركن إلى واحدٍ منها فاستبشروا، فقد رحلت أرواحكم إلى عالم الملكوت، وإن وجدتموها ركنت أو مالت بالمحبّة إلى شيء من هذا العالم، فجاهدوها واخرجوها عنه بالكلّية حتّى ترحل إلى ربِّها.
وختم هذا الباب بالسّلام لما اشتملت عليه من الرّحيل والمقام، فكُلُّها تدل على سفر القلب من شهود الخلْق إلى شهود الخالق، فناسب ختمها بالسّلام لِما فيه من ذِكْر السّلامة.
ولمّا كان السّفر لا بدّ فيه من دليل، وإلّا ضلّ عن سواء السّبيل، افتتح الباب الخامس بذِكْر الصُّحْبة وشروط المصحوب وآدابها، فقال: [لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلّك على الله مقاله].
قلت: الذي ينهضك حاله هو الذي إذا رأيته ذكرت الله، فقد كنت في حال الغفلة؛ فلمّا رأيته نهض حالك إلى اليقظة، أو كنت في حالة الرّغبة، فلمّا رأيته نهض حالك إلى الزُّهد، أو كنت في حالة الاشتغال بالمعصية، فلمّا رأيته نهض حالك إلى التّوبة، أو كنت في حالة الجهل بمولاك، فنهضت إلى معرفة من تولّاك وهكذا.
والذي يدلّك على الله مقاله هو الذي يتكلّم بالله، ويدل على الله، ويغيب عمّا سِواه؛ إذا تكلّم أخذ بمجامع القلوب، وإذا سكت أنهضك حاله إلى علّام الغيوب، فحاله يصدّق مقاله، ومقاله موافق لعلمه، فصحبة مثل هذا إكسير يقلب الأعيان، وهو مفهوم من قول الشّيْخ: لا تصحب من لا ينهضك حاله الخ: أي بل اصحب من ينهضك حاله ويدلّك على الله مقاله.
قلت: ربّما تكون مُسيئاً في حالك مُقصِّراً في عملك، فإذا صحبْت من هو أسوأ حالاً منك أراك أي أبصرتْك صحْبتك إلى من هو أسوأ حالاً منك الإحسان منك لِمَا ترى ما يصْدر منها من الإحسان ومن المصحوب من التّقصير والنُّقصان، فتعتقد المزيّة عليه، لأنَّ النّفس مجبولة على رؤية الفضل لها، ومشاهدة التّقصير من غيرها عِلْماً أو عَمَلاً أو حَالاً، بخلاف ما إذا صحبتْ من هو أحسن حالاً منها، فإنّها لا ترى من نفسِها إلّا التّقصير، وفي ذلك خيْرٌ كثير.
قال الشّيْخ أبو الحسن الشّاذلي: أوصاني حبيبي فقال: لا تنقل قدميْك إلّا حيث ترجو ثواب الله، ولا تجلس إلّا حيث تأمن غالباً مِنْ معصية الله، ولا تصطف لنفسك إلّا مَنْ تزداد به يقيناً، وقليلٌ ماهم.
وقال له أيضاً: لا تصحب مَنْ يؤثر نفسه عليك، فإنّه لئيم، ولا مَنْ يؤثرك على نفسه، فإنَّه قلَّ ما يدوم: واصحب من إذا ذُكِر ذُكِر الله، فالله يغني به إذا شهد، وينوب عنه إذا فقد، ذِكْره نور القلوب، ومشاهدته مفاتيح الغيوب. وحاصله: لا تصحب من تتكلّف له فوق جهدك، ولا من يتكلّف لك كذلك، وخير الأمور أوساطها، وهذا والله أعلم في صُحْبة الإخوة.