التايمز: لماذا فشل نظام الأسد في استعادة سوريا ووقف أمام إدلب؟

تساءل مراسل صحيفة “التايمز” البريطانية عن سبب استمرار الحرب في سوريا؛ فقبل سنة تعهد ديكتاتور دمشق وبثقة بتحقيق النصر النهائي، إلا أن طيرانه لا يزال يسقط القنابل من الجو على المدنيين ومدافعه تقصفهم من الأرض.

وكصورة عن استمرار الرعب، تحدث عن يارا بدوي التي فقدت رجلها من اليسرى من العجز، فيما ترقد والدتها على سرير العناية المركزية، أما والدها وأخواتها فقتلوا في القصف الأخير للنظام على بلدة أريحا، شمال – غرب إدلب، وهي نفس قصة 20 مدنيا قتلوا في البلدة جراء الغارات، أو 31 آخرين لقوا حتفهم في البلدة القريبة، معرة النعمان، ويضيف: “قل هذا لبقية السوريين، فثلثي البلاد عادت تحت سيطرة النظام، لكن المعارضة المسلحة تواصل هجماتها على الحكومة فيما تستمر هذه بملاحقة الشباب وتجنيدهم في الجيش”.

ويعلق أن قصف أريحا ومعرة النعمان لا معنى له من الناحية العسكرية، فهما ليستا قريبتان من خطوط القتال بين النظام والمعارضة في الجنوب، ولا تعدان أيضا من المعاقل التاريخية للمسلحين المعارضين للنظام والجهاديين الذين يتحكمون بمنطقة إدلب. ومع ذلك تم سحقهما بالغارات الجوية.

ويقول أحمد تريسي من سكان أريحا: “في كل يوم يقتل ويقطع الناس بدم بارد”، و”ترى جثث الأطفال المحروقة والمقطعة. وهذا مرعب، فالأهداف التي يتم استهدافها هي مدنية بالكامل وليست مواقع عسكرية؛ أسواق وبيوت ومطاعم”.

واعتبر سبنسر أن هذه المشاهد عادية في الحرب السورية، وكانت في الماضي تسبق عملية عسكرية للنظام أو استسلام للمعارضة. وفي حالة أريحا ومعرة النعمان، فقد ضربتا لأن النظام فشل في التقدم. ففي نيسان/إبريل، قادت قوات النمر والحرس الجمهوري الأقوى في جيش النظام هجوما على إدلب.

واستطاع النظام السيطرة على عدد من القرى، إلا أن الهجوم المضاد الذي قادته هيئة تحرير الشام أدى إلى صد الهجوم وجمود في الجبهة. وفي حرب الاستنزاف التي تلت، قتل حوالي 900 من قوات النظام، إلى جانب نقص المواد الغذائية والإمدادات، مما أثر على معنويات المناطق المؤيدة لدمشق.

فالحرب كان يجب أن تنتهي في الربيع والصيف من العام الماضي، بعد أن أنهى هجوم بالكلور آخر معقل للمقاتلين في الغوطة الشرقية. وتحرك بعد ذلك النظام ضد بقية معاقل المعارضة. وفي تموز/يوليو، وبعد سلسلة من العمليات التي ترافقت مع محادثات استسلام قادها الروس، استعاد النظام مساحات في الجنوب السوري، خصوصا درعا.

وبموجب اتفاقيات “المصالحة”، سمح للمقاتلين الحفاظ على أسلحتهم والمشاركة في الإدارة المحلية، فيما اختار آخرون العودة إلى قراهم. وتزامن هذا مع عملية لقوات سوريا الديمقراطية التي تقدمت بدعم أمريكي لمحاصرة تنظيم الدولة الاسلامية “داعش” في آخر مناطقه بوادي الفرات.

وبنهاية المعركة في بلدة باغوز التي قادتها وحدات من قوات حماية الشعب -رافقها مستشارون بريطانيون وفرنسيون وقوات أمريكية خاصة- كان النظام قد أحكم سيطرته على ثلثي البلاد.

وظلت إدلب منفصلة وتحت سيطرة تحالف فوضوي من جماعات الجيش السوري الحر والجهاديين، والتي لم يعطها الدبلوماسيون فرصة للصمود أمام هجوم واسع من النظام وحلفائه الإيرانيين. ولكنها صمدت.

ويفسر الدبلوماسيون فشل النظام في استعادتها بأنها جزء مشكلة كبيرة يواجها نظام بشار الأسد. فالقوى الخارجية التي ساعدته على حرف ميزان الحرب لصالحه تمنع الأسد من إنهاء ملف إدلب. ففي الوقت الذي ساعد التدخل الروسي عام 2015 في روسيا على حرف ميزان القوة في الحرب السورية، إلا أن موسكو لم تلق بثقلها وراء الحملة على إدلب لأن الرئيس فلاديمير بوتين حسب دبلوماسي غربي “لديه أولوياته الأخرى”. فهو يريد إرضاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يصر على بقاء المحافظة بعيدة عن يد النظام. وأرسل أسلحة متقدمة إلى الجماعات المسلحة التي تدعمها أنقرة مع أنها في تحالف مع جماعات إرهابية مثل هيئة تحرير الشام.

يفسر الدبلوماسيون فشل النظام في استعادتها بأنها جزء مشكلة كبيرة يواجها نظام بشار الأسد، فالقوى الخارجية التي ساعدته على حرف ميزان الحرب لصالحه تمنع الأسد من إنهاء ملف إدلب

ودعمت تركيا الحرب على النظام منذ البداية ولكنها لم تعد ترى أن سقوطه بات ممكنا، إلا أن سقوط آخر معقل للمعارضة له سيكون بمثابة إهانة شخصية لأردوغان. كما أن سقوطها يعني موجة جديدة من اللاجئين الذين سيفرون باتجاه الحدود التركية، وتركيا تستقبل الآن أكثر من 3 ملايين لاجئ سوري.

ويقول الناشطون المتعاطفون مع المعارضة إن صمود مقاتلي هيئة تحرير الشام أسهم في فشل النظام التقدم نحو المحافظة. وأشار هؤلاء إلى أن معظم المقاتلين فيها هم من نقلهم النظام في حافلات بعد خروجهم من مناطق أخرى في سوريا.

ويقول معاذ مصطفى، الناشط السوري المعارض في واشنطن، إن معركتهم هي الأخيرة فلا ملجأ لهم، و”إدلب ليست إدلب فقط بل وحمص وحلب ودمشق وحماة ودرعا”. وفي الشرق من البلاد، يعيش الملايين في حالة من عدم اليقين في ظل تحالف مشترك بين قوات حماية الشعب المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني في تركيا إلى جانب زعماء القبائل العربية المعادين للأسد والقوات الأمريكية.

ولا أحد يعرف في هذه المنطقة إن كان النظام سيستعيدها أو فيما ستظل القوات الأمريكية فيها أو ستوفي تركيا بوعدها الذي تذكره أسبوعيا وتجتاح المناطق والتخلص من العدو الكردي.

وتريد الولايات المتحدة استمرار الأكراد في إدارة المنطقة حتى بعد خروجها، وهو ما يرفضه أردوغان الذي يطالب بمنطقة آمنة على طول الحدود السورية لقطع الإمدادات عن أكراد سوريا من المتمردين الأكراد في تركيا. وأكد أردوغان أنه سيحقق هذا بالقوة إن اقتضى الأمر. ومثل بقية مناطق النزاع المنخرط فيها بوتين في أوكرانيا وسوريا، فقد تجمدت محاور الحرب فيهما، ولكن المدنيين مثل يارا سيواصلون المعاناة.

والنتيجة هو تحول إدلب تحت سيطرة الجهاديين الذين باتوا القوة الرئيسة فيها، مما يعني حاجة الناس فيها للمساعدة التي باتت اليوم شحيحة بسبب قطع الدول الغربية معظم برامجها عن المنطقة.

وقال هاميش دي بريتون – غوردون، الضابط البريطاني السابق، الذي يقدم النصح للأطباء السوريين حول كيفية التعامل مع الهجمات الكيماوية، إن هجوم أريحا الذي لفت انتباه العالم هو واحد من الغارات التي تحدث على قاعدة يومية.

وقال إن “جنون الأيام الماضية سيستمر وهذا يعني قتل آلاف المدنيين”. وكما قال تريسي من أريحا فالبلدة مغلقة محلاتها وأسواقها وشوارعها فارغة، وهذه كارثة”.