وشاهد و مشهود… الجزء الثاني

بقلم إبراهيم الصعيدي

ونلاحظ أيضا أن القرآن الكريم في مواضع كثيرة ، بين أهمية وقوة الكلمة بكل صورها المسموعة والمرئية والمقروءة ، وممثلة في العصر الحديث بما يسمي بالإعلام. منذ بداية نزول الوحي على صدر المصطفي صل الله عليه وسلم و في إعجاز فريد كما في سورة البروج سوف نعرض لبعض هذه الآيات حيث بدأت السورة بقسم المولى عز وجعل ببعض خلقه وبيوم القيامة ، وكأنه استحضار ولفت الانتباه من المولى عز وجل لعظم ما سيأتي بعد القسم. ولأن القرآن حمال أوجه فلنخرج من قيود اللفظ إلي رحابة المعنى والفكرة ، وسوف نحاول جاهدين أن نحلق معا في سماء هذه الآيات لعلنا نستلهم منها الدروس والعبر التي عرضها القران في إيجاز بليغ.

بسم الله الرحمن الرحيم .. وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ..ولو تخيلنا أن الشاهد هو الإنسان وان المشهود هو كل أجهزة الإعلام بكل أنماطها وإشكالها من شاشات بيضاء وغيرها،وحتى الوسائل الاعلاميه المسموعة ، لنا أن نتخيل هذه العلاقة بين الشاهد والمشهود ، هل هي علاقة طبيعيه في إطارها الطبيعي الإنساني والديني ، وماذا تعرض هذه الوسائل وماذا تقول هل تعرض كذبا أم زورا أم حقيقة أم حلالا أم حراما ، لذلك بين القران خطورة هذه الوسائل ومدي تأثيرها الرهيب على الشاهد ،والذي قد يفتن مما يراه أو يسمعه ،أو يشاهده منها ، فيحيد عن طريق الحق بأي صورة من الصور أو شكل من الإشكال ، من خلال ما تعرض من فجور وفسق وحرام ،لذلك بينت الآية التالية…. قتل أصحاب الأخدود…..، و أيا كانوا أصحاب هذا الأخدود، فهم صورة ونموذج لقوى الشر والباطل التي تقف بالمرصاد ، وتحاول فتنة أصحاب الحق أو الإنسان عموما ليسير في ركاب الباطل. فأصحاب الأخدود استخدموا أبشع الوسائل في القضاء علي المؤمنين بالله وبرسله وبأنبيائه، المعارضين لهم. ولغيهم ولباطلهم حفروا لهم أخدودا وأجلسوهم على مقاعد من نار وقاموا بحرقهم بلا ذنب أو جريرة ،سوى إيمانهم بالله. هم مجرد نموذج بشري عابر للعصور والأزمان ، يتكرر كثيرا مع طغيان الإنسان وتجاوزه ، لبشريته وإنسانيته واستحواذ الشيطان عليه. ولنكمل الصورة القرآنية لهذا الشطط البشري ..بسم الله الرحمن الرحيم 1. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ 2. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ 3. وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ 4. وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ 5.

ولإيجاد العلاقة والمقارنة بين ما حدث لأصحاب الأخدود، وبين ما يحدث لنا في هذا العصر من كل قوى الشر التي تحارب دين الله في الأرض بقيادة الحلف الصهيو أمريكي وغيرهم، وكأنهم رسل الشياطين لغواية وإضلال المؤمنين خاصة والناس عامة.

سوف نجد هذه المساحات الهائلة من المحرمات التي تبثها وتعرضها علينا كل يوم، ليل نهار، أجهزة الإعلام بكل صورها وأشكالها وأنواعها ، والتي يمتلك معظمها اليهود في شتى بقاع الأرض ، والتي أصبحت ركن ركين و جزء أصيل في حياة الإنسان ، لا يستطيع الاستغناء عنها بسهولة، و هي نار مستمرة لا تتوقف.

النار ذات الوقود.. وهذا الوقود المستمر يتغير دائما بتغير أساليبه ووسائله لغواية البشر وصرفهم عن دين الله حسب كل عصر وكل زمان و مكان، حتى تدميرهم وإهلاكهم. فالنار هنا شكل وصورة عامة للتدمير والإهلاك المعنوي أو حتى الجسدي من قبل هؤلاء الكفرة، و لها في العصر الحالي صور لا حد لها ولا عد ، من قنابل بكل أشكالها وصواريخ وغيرها، وطائرات وغواصات ، انه الصراع المستمر بين الحق والباطل إلي قيام الساعة.

فالإنسان قد يجلس أمام هذه الشاشات والتي تشبه الغانية اللعوب، إغراء وغاوية، ليشاهد ما فيها من حرام، ليتمتع بهذه الشهوات لحظات أو حتى ساعات، لهوى في نفسه أو إتباعا لشيطانه، فيعذب بها في نار الآخرة. وكأن هذه المقاعد التي يجلس عليها لمشاهدتها أو حتى للاستماع إليها هي مقاعد من نار ، ولكن الفارق الوحيد بين ما ذكرته سورة البروج وبين حال الإنسان في عصرنا ، أن الإنسان يجلس إليها في الدنيا بإرادته مختارا، و تكون سببا بعد ذلك وبعد موته وانتقاله من عالم الدنيا إلي عالم الآخرة إلى دخوله النار. ويوضح المولى عز وجل أن هذه الفئة الباغية الطاغية يحيدون عن الطريق وأنهم يقفون للفئة المؤمنة بكل سبيل وكل طريق، ليصرفوهم عن الإيمان بالله العزيز الحميد.

أي تجبر وأي ظلم تحمله نفوس هؤلاء والسبب الوحيد في كل هذا العذاب لهذه الفئة المؤمنة، هو إيمانهم بان لهم ربا وأن هناك حسابا وعقابا على ما قدم. إنهم فئة ضالة مضلة تريد أن تقطع الطريق على كل مؤمن، حسدا من عند أنفسهم وكراهية لهذا الصف، ولكي تشيع الفاحشة والضلال بين الناس. إنهم سرطان خبيث في جسد البشرية والإنسانية، لا يريحون ولا يستريحون إلا بهلاك الجميع معهم. لذلك ختم الله السورة ببيان انتقام الله منهم ، وضرب مثالا بالسابقين من هؤلاء المتجبرين من الفراعنة وغيرهم، لكي يعلم هؤلاء أنهم سوف يلاقون نفس المصير، طالما ظلوا علي غيهم وتكبرهم وتجبرهم وان الله فعال لما يشاء وما يريد، وأنه محيط بكل شيء لا يعجزه شيء لا في الأرض ولا في السماء، وان هذا الحديث هو حديث حق مسجل وموثق من قبل الله عز وجل في اللوح المحفوظ في السماوات العلى.

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ(16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ(19) وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22)

وفي النهاية يجب علي كل مسلم ومؤمن أن يأخذ حذره، مما يشاهد أو يسمع أو يشارك بأي صورة من الصور، في هذا العالم الذي لا حدود له من المرئيات وغيرها حتى من السمعيات أيضا، لأنها مقاعد من نار ، تستدرج الإنسان دون إن يشعر أو يحس إلى نار الله الموقدة، وعذاب ليس بعده عذاب.

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ). سورة النور الآية رقم 24

حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)فصلت