هل سبق لك أن اشتريت الخبز من دكتور؟ قد يبدو السؤال غريبا، لكن هذا ما يحدث في غزة، إذ يعمل الدكتور محمود عبد المعطي مقاط في مخبز صغير لإعالة أسرته، بعدما ضاقت به الحال للحصول على عمل في مجال تخصصه.

“يا شيخ.. ويا دكتور”، بأحد هذين الوصفين ينادي زملاء محمود مقاط والزبائن عليه خلال عمله في مخبز لإعداد الخبز الخاص بلفائف الشاورما، الذي يعرف بـ”الخبز العراقي” أو “الفراشيح” باللهجة المحلية الدارجة.

الدكتور محمود مقاط (34 عاماً) حاصل على شهادتي دكتوراه في الشريعة الإسلامية، يعمل حالياً في مخبز بمدينة غزة، بعدما ضاق به الحال لإعالة أسرته المكونة من سبعة أفراد.يعيل محمود مقاط أسرة من 7 أفراد أحدهم طفل مصاب بالسرطان
خباز بدرجة دكتور
محمود مقاط من مواليد عام 1987، حامل لشهادة دكتوراه في الشريعة الإسلامية، ويمتاز عن زملائه في المخبز بلحيته الطويلة الكثة وارتداء ملابس يعرف بها الدعاة وخطباء المساجد في غزة.

ويعمل مقاط في المخبز منذ ساعات الصباح الباكر وحتى الواحدة بعد الظهر، مقابل أجرة يومية تبلغ 60 شيكلا (أقل من 20 دولارا). وبرضا كبير بما قدره الله له، يقول للجزيرة نت، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لم تفارقه طوال اللقاء به، “الحمد لله على كل حال.. أنا أعمل وغيري كثيرون لا يجدون فرصة عمل”.

يلقي محمود دروساً دينية في المساجد للاستفادة من علمه الشرعي-رائد موسى-الجزيرة نتمحمود مقاط يلقي دروسا دينية في المساجد للاستفادة من علمه الشرعي
هذه القناعة لا تتعارض في نظر مقاط مع حلمه بعمل يستفيد به من علمه الشرعي وشهاداته العليا، حتى إنه يبدي استعدادا للعمل في مجال التعليم ولو براتب أقل مما يحصل عليه في عمله بالمخبز.

ومنذ حصوله على شهادة الدكتوراه، حاول مقاط كثيرا الحصول على هذه الفرصة في الجامعات ومؤسسات التعليم لكن من دون جدوى، ولأسباب مختلفة “باب التوظيف مغلق حاليا، أو التخصص غير مطلوب، أو يلزمك شهادة خبرة لعامين تدريس في مجال التخصص نفسه”.

ويتساءل مقاط “كيف لي أن أكتسب الخبرة من دون فرصة عمل حتى لو كانت مؤقتة؟”، وبينما كان يجلس أمام الفرن يلتقط الخبز بأداة من حديد، قال “توجهت لديوان الموظفين (هيئة حكومية) وصدمت أن تخصصي في الشريعة الإسلامية ليس مدرجا حتى على قوائم من يحق لهم العمل على بند البطالة (العمل المؤقت)”.

محمود مقاط حاصل على شهادتي دكتوراه في الشريعة الإسلامية -رائد موسى-الجزيرة نتمحمود مقاط: لو عاد بي الزمن لن أغير مجال دراستي.. فهذا العلم ينفعني في الدنيا والآخرة (الجزيرة)
شهادتا دكتواره
ورغم مرارة التجربة، فإن محمود مقاط غير نادم على دراسة الشريعة الإسلامية، ويقول “لو عاد بي الزمن لن أغير مجال دراستي.. فهذا العلم ينفعني في الدنيا والآخرة”.

وحقق مقاط إنجازا فريدا بحصوله على شهادتي دكتوراه في “الفقه المقارن” و”الشريعة الإسلامية” من جامعتين في لبنان والسودان بفارق زمني 3 أشهر، ويقول “اجتهدت على مدى 3 أعوام في إعداد دراستين لنيل درجة الدكتوراه، ونجحت في مناقشتهما عبر تطبيق زووم بسبب ظروف السفر المعقدة التي فرضتها جائحة كورونا”.

ولم يمنع عمل مقاط في المخبز من نشره 12 بحثا علميا تناول فيها مواضيع فقهية مختلفة، ونشرها على شبكات ومواقع بحث إسلامية متخصصة على الإنترنت، وقال إنه يستقبل يوميا مكالمات هاتفية طلبا لاستشارات فقهية، فضلا عن التزامه بدروس دينية وخطب جمعة تطوعية.

يعمل الدكتور محمود بأجرة يومية 20 دولاراً فقط-رائد موسى-الجزيرة نتيعمل الدكتور محمود مقاط بأجرة يومية لا تتجاوز 20 دولارا فقط (الجزيرة)
بطالة ذوي المؤهلات العليا
وبعزة نفس، يرفض مقاط التوجه إلى مؤسسات إغاثية للحصول على مساعدات، إذ تنطبق عليه شروط الحصول عليها كونه يعيل أسرة كبيرة مكونة من زوجته و6 أبناء، هم بنت واحدة و5 ذكور، أحدهم في الثامنة من عمره ومصاب بالسرطان.

وبحسب بيانات رسمية وأهلية، فإن نسبة تتجاوز 80% من سكان غزة (مليونيْ نسمة) يقبعون تحت خط الفقر، ويعتمدون في تلبية احتياجاتهم الأساسية على مساعدات إغاثية تقدمها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” (UNRWA) وهيئات دولية ومحلية أخرى.

ويقول مقاط “صحيح أنني لا أعمل بشهادتي، لكنني أكسب قوت يومي، وأعتبر نفسي أفضل حالا من غيري، وهناك أمثالي من حملة الشهادات العليا، سواء عاطلون عن العمل أو يعملون في مهن شاقة وأقل جدوى من عملي في المخبز”.

وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (مؤسسة رسمية) أن نسبة البطالة لدى خريجي الجامعات في مختلف التخصصات بلغت 78% في غزة خلال العام 2020، في مقابل 35% في الضفة الغربية.

وبحسب بيان نشره الجهاز على موقعه الرسمي في يوليو/تموز الماضي حول “مجال الدراسة وعلاقته بسوق العمل”، فإن مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية خرجت في العام 2019 أكثر من 42 ألف طالب وطالبة في مجالات مختلفة، في حين لا يستوعب سوق العمل المحلي سوى 8 آلاف متخرج سنويا.

المصدر : الجزيرة