الأخوة في الله

قال عبد الله بن المبارك: “خمسة أشياء لا تصعد من الأرض إلى السماء إلا بالتمام؛ حرمة المؤمن, وشكر نعمة الرب, وحق الوالدين, وإكرام العالم الزاهد”.
هذه الأشياء لا تصعد إلى الله عز وجل إلا بالتمام والكمال.
الإنسان عليه أن يشكر النعمة شكراً تاماً, وعليه أن يرعى حق والديه, وعليه أن يعرف حرمة المؤمن.
فأول نية من نوايا زيارة المؤمن: يزور أخاه لحرمته وجلال قدره.
الإنسان في الأساس مخلوق أول, فإذا استجاب لله عز وجل في حمل الأمانة, ووفى بما عليه, كان له أعلى درجة, بل إن هذه الدرجة لتفوق الملائكة.
الإنسان مركب من عقل وشهوة, والملك مركب من عقل بلا شهوة, والحيوان مركب من شهوة بلا عقل, فإن سما عقله على شهوته, أصبح فوق الملائكة -كلام سيدنا علي-, وإن سمت شهوته على عقله, أصبح دون الحيوان.
الملك عقل بلا شهوة, الحيوان شهوة بلا عقل, الإنسان نفخة من روح الله, وقبضة من تراب الأرض، فيه نوازع أرضية, و ميول روحية؛ فإذا سمت نفسه على شهوته, وإن سما عقله على حاجته, كان فوق الملائكة, فلذلك له حرمة عند الله عز وجل.
ومن أكرم أخاه فكأنما أكرم ربه, ومن أساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه.
مثلاً: لسبب تافه, أو لملاحظة عابرة, أو لعدم دقة في الحكم, تقول: فلان يأكل مالاً حراماً, أنت لست متأكداً, وهو يصلي, ويعبد الله عز وجل, هذا اتهام للدين؛ إذا الدّيّن يفعل هذا, ماذا يفعل غير الدّيّن؟
قبل أن تتهم مؤمناً, عد للمليون, دائماً هناك معركة بين الحق والباطل, والمؤمن أحياناً دون أن يشعر هناك من يقول كلاماً فيه ليس صحيحاً.
فحرمة المؤمن يجب أن تُرعى رعاية تامة, وشكر نعمة الله عز وجل, وحق الوالدين, وإكرام العالم الزاهد.

تألفه؛ أي يتألف قلبه، أن تكون الزيارة فيها ود.
أخ غاب عن المسجد أسبوعين, أنت زرته, تجشمت وقتاً وجهداً إلى أن زرته, فهذه الزيارة لها معنى كبير, إنها تأليف قلبه، يقول الله عز وجل:

﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾

[سورة الأنفال الآية:63]

من الأعمال الصالحة الجليلة أن تزور أخاك المؤمن.
ابن مسعود قال: “نزلت هذه الآية في المتحابين في الله”.
المتحابون في الله يتزاورون, المتحابون في الله يتجالسون ويتبادلون.
وقيل: “أربع خصال تؤكد مودة الأخ مع أخيه: الزيارة, والسلام, والمصافحة, والهدية؛ الزيارة: أن تزوره في مناسبات أفراحه وأتراحه, وأن تسلم عليه, وأن تصافحه, وأن تقدم له الهدية”.
كما قال عليه الصلاة والسلام:

((تهادوا؛ إن الهدية تذهب وحر الصدر ))

[أحمد في مسنده والترمذي عن أبي هريرة ]

هناك مشكلة بين أخين, هناك سوء تفاهم, فالإنسان يقدم هدية رمزية, هذه الهدية كما علمنا النبي:

(( تهادوا تحابوا ))

[ مالك في الموطأ عن مالك بن عطاء الخراساني ]

سيدنا عمر يقول: “ما أعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح, فإذا رأى أحدكم وداً من أخيه, فليتمسك به”.

الإنسان قبل أن يسيء الظن بأحد عليه أن يتأكد :

قبل أن تقطع العلاقة, قبل أن تتصرف تصرفاً يبعده عنك, عد للمليون, هذا أخوك, وأنت قوي بأخيك, وضعيف وحدك, وإياك وسوء الظن, إياك أن تسيء الظن به, بلا مبرر أو بلا دليل.
مرة حدثني أخ, قال لي: عندي معمل حلويات, -قصة من حوالي خمسين سنة, توفي رحمه الله-, خبرت معمل زبدة أن يأتي لي بمئة باكيت, أحصيتهم, وجدت تسعاً وتسعين, -هكذا خطر في بالي-, جئت لمعطف أحد الموظفين, وجدت قالباً في جيبه, كأنه دليل قوي أن الموظف أخذ القالب, قال لي: هممت أن أعنفه, وأوبخه, وأطرده من العمل, قال لي: لماذا سكت لا أعلم, في اليوم الثاني, وأنا أحاسب المعمل, قال له: والله بعثنا لك مئة باكيت, صانعك اشترى واحداً, دفع ثمنه, أعطنا ثمن تسع وتسعين.
الإنسان قبل أن يسيء الظن, قد يكون خاطئاً، فعليه أن يتأكد.
في حياتي حالات تهمة كبيرة؛ لكن بعد التحقيق لا يوجد شيء, لا يوجد خطأ, وإن كان البيان يطرد الشيطان. فالقصد الإنسان قبل أن يتسرع, قبل أن يتهم, ينتبه.
مرة جاء إنسان ليشتري حاجة من محل, لم يشترها, غاب ساعة ورجع, قال: نسيت خمسة آلاف على الطاولة, لا يوجد خمسة آلاف, وكأنه اتهم المحاسب, أو الذي وراء الطاولة؛ وراء الطاولة رجل أمين, صادق, لا يوجد مشكلة أبداً, بعد حين زاروه في بلدته في الشمال, فأكرمهم إكراماً منقطع النظير لم يعهدوه من قبل منه, ثم قال لهم: والله أنا تسرعت, دفعت الخمسة آلاف لشخص, ونسيت أن أسجلها.
الإنسان عندما يفقد مبلغاً و يتهم إنساناً فهذه مشكلة كبيرة, ويُحاسب عليها، ومن أساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه, ومن أكرم أخاه فكأنما أكرم ربه.
يقول عمر : “ما أعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح فإذا رأى أحدكم وداً من أخيه فليتمسك به”
لأن تخسر الدنيا, وتربح أخاً في الله فأنت الرابح, ولأن تكسب الدنيا, وتخسر أخاً في الله فأنت الخاسر.
إذا كان هناك ود بينك وبين أخيك, حاول المستحيل أن تحافظ على هذا الود, لقيت جفاء؛ اسأل عن السبب, قدم اعتذاراً, زره في البيت.

زيارة المؤمن للمؤمن تولد المودة و التآخي :

ويقول عليه الصلاة والسلام:

((مثل المؤمن وأخيه كمثل الكفين تنقي إحداهما الأخرى))

[ كنز العمال عن أنس]

وقال أنس بن مالك:

((كان -عليه الصلاة والسلام- إذا غاب الرجل عن المسجد ثلاثاً, سأل عنه؛ فإن كان مريضاً عاده, وإن كان مسافراً دعا له, وإن كان حاضراً زاره))

[أبو يعلى عن أنس بن مالك]

و من آخى أخاً في الله – الحد الأدنى واحد- فعليه أن يتفقد شؤونه, و إن غاب يسأل عنه, يتصل فيه هاتفياً, من حين لآخر يزوره, يتفقد أحواله الاجتماعية, أحواله النفسية, أحواله الدينية, فهذا النوع يعمل وداً كبيراً.
والنبي قال: “تآخيا اثنين اثنين”.
اصطفِ من المسجد واحداً, واجعله أخوك في الله؛ زره ويزورك, انصحه وينصحك, خذ بيده ويأخذ بيدك.
وفي الخبر:

((ما زار رجل أخاه في الله شوقا إليه ، ورغبة في لقائه ، أو حبا للقائه ، إلا ناداه ملك من خلفه : ألا طبت ، وطابت لك))

[ البزار عن أنس]