ماسح الذنوب و ماسح العيوب

منَ المقال الأسبوعي الشيخ كمال خطيب

كان مالك بن دينار رحمه الله يقول: ” ليت أحدكم يحافظ على دينه كما يحافظ على نعله”.
ما أعظمها من معانٍ اجتمعت في عبارة هذا العالم الفاضل والرجل الصالح الذي نظر إلى أهل زمانه فوجد فيهم التهاون في أوامر الله سبحانه والتعدي على حدوده وعدم الوقوف عند أوامره ونواهيه والاستهانة في الوقوع بالذنب، وهذه مما تفسد على المرء دينه، بينما هو يراهم في المقابل وقد اهتموا كثيرًا وأشغلوا أنفسهم في أناقة مظهرهم وجمال لباسهم ونظافة نعالهم، بأن تكون دائمًا مخصوفة وغير ممزقة ونظيفة غير متسخة ولا عيوب فيها ولا عليها.
لقد قال هذا لأهل زمانه وهو زمان التابعين والمقتفين أثر الصالحين والمجاهدين، وما زالوا قريبي عهد من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم، فماذا عساه سيقول لأهل زماننا يا ترى؟
إنها الإشارة منه لضرورة الاهتمام بباطننا كما نهتم بظاهرنا، وأن نصلح عيوبنا الداخلية التي لا يراها الناس مثل حرصنا على مظهرنا وجوارحنا الخارجية التي يراها كل الناس.

ما بال أحدنا لا يخرج من بيته إلا وقد لبس أحسن ثيابه، وإذا حصل أن اتسخ ثوبه لأي سبب كان أو بسبب عرق تصبب من جسمه فإنه يسارع لخلعه وغسله واستبداله بثوب آخر بعد أن يكون قد اغتسل كله.
وما بال أحدنا إذا انتعل حذاءه فإنه يحرص على أن يكون نظيفًا بل ذا بريق ولمعان.

وما بال أحدنا إذا اتّسخت سيارته بفعل الغبار في الطريق أو لأي سبب آخر فإنه يسارع لتنظيفها وغسلها بيديه أو يرسلها إلى محلات غسيل السيارات لإزالة كل ما علق بها من غبار ولتعود جميلة نظيفة براقة، فليتنا في منطق الإمام مالك بن دينار وهو منطق الحقّ والصدق أن نهتم بقلوبنا وباطننا وديننا مثل اهتمامنا بمظهرنا ولباسنا وحذائنا وسياراتنا.

ولعل مثالًا آخرَ وتشبيهًا قريبًا يصلح أن نسوقه بين يدي الأخوة القراء والأخوات القارئات، خاصة وأننا في شهر شباط الشهر الذي فيه تبدأ الأشجار تفيق من نوم شتائها حيث تظهر البراعم استعدادًا لظهور الأوراق ثم الأزهار الجميلة والثمار اليانعة، وأن صاحب كل حديقة أو بستان إما أن يفعل ذلك بيديه إن كان صاحب خبرة أو أن يستأجر الشخص المتخصص “الجنايني” الذي يعمل في الجنينة أو “البستنجي” الذي يعمل في البستان.
#إنه الذي يقلّم أغصانها ويزيل الحشائش والأعشاب الغريبة والضّارة التي غزتها خلال الخريف والشتاء، فأصبحت قريبة إلى الاهمال بل قبيحة المنظر، بل ولعله يزوّدها بالأسمدة العضوية التي تقوّيها وتعيد لها النضارة من جديد.
إن مثل تقليم الأغصان وتهذيبها وإزالة الزائد أو اليابس الجاف منها واقتلاع الأعشاب الضّارة البرية الغريبة من البستان لتعود إليه نضارته هو مثل إزالة الذنوب وتطهير الجوارح وغسل باطننا منها لتعود إليه نضارته وللدين صفاؤه، وإلا فإنّ قلوبنا وديننا ستفسده الذنوب مثلما تفسد الحشائش البرية والأغصان الجافة حدائقنا وبساتيننا.
#أيها الأخ الحبيب، هل أصبح حذاؤك وقميصك وسيارتك وحديقتك أغلى عليك وأكرم عندك من دينك ومن قلبك، حاشاك وإني أُعيذك وأُعيذ نفسي أن نكون كذلك، لأنه ما فائدة كل ذلك في غياب حالة الإيمان والأنس بالله وطاعته سبحانه والسير على طريقه.
لقد صدق من قال: “كم من مُبيّض لثيابه ومسوّد لقلبه”. نعم إنه الحرص على الملابس النظيفة البيضاء تزين ظاهرنا ولكنه الإهمال للقلوب تسودها الذنوب. فكما علينا أن نمسح أحذيتنا وأجسادنا من أوساخها وعيوبها، فعلينا أن نمسح ونغسل قلوبنا من ذنوبها حتى لا تصبح سوداء، وكما قال الشاعر:
ما بال قلبك ترضى أن تدنسه
وثوبك الدهر مغسولًا من الدنس
ترجو السلامة لا تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس

شاهد أيضاً

55 شهيدا وإصابة 4 جنود إسرائيليين بمعارك في قطاع غزة

قالت وزارة الصحة في قطاع غزة إن قوات الاحتلال الإسرائيلي ارتكبت خلال الـ24 ساعة الأخيرة 3 مجازر، راح ضحيتها 55 شهيدا ونحو 123 مصابا، مما يرفع عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى 38 ألفا و153 شهيدا، و87 ألفا و828 مصابا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *