تركيا على مشارف اقتصاد واعد

عثمان نوري
رئيس حزب العدالة والتنمية باسطنبول

شهد العالم نتيجة جائحة فيروس كوفيد-19 صدمة اقتصادية في ظل نقص الإمدادات وتتالي عمليات الإغلاق التي بدأت في فبراير/شباط 2020. ومع تطوير لقاحات ضد هذا الفيروس وانطلاق حملات التطعيم وعودة الدول إلى فتح حدودها؛ بدأ الاقتصاد العالمي في التعافي، خاصة بعد أزمة سلاسل الإمدادات والإنتاج التي عصفت بالدول الآسيوية.

كانت تركيا في الماضي تتبع سياسة سعر الصرف المنخفض والفائدة المرتفعة المعتمدة أيضا من قبل برامج صندوق النقد الدولي؛ لكن العجز الكبير في الميزان التجاري نتيجة هذه السياسات مثّل مشكلة دائمة لاقتصاد بلدنا لسنوات.

ساهمت أزمة الطلب العالمي -التي تجلّت بارتفاع أسعار الشحن وأسعار المحروقات في أعقاب ارتفاع الطلب عليها بشكل مفاجئ- بكشف مواطن ضعف سلاسل التوريد في جميع البلدان تقريبا، ولا سيما الاقتصادات المتقدمة.

ويعتبر بلدنا قاعدة إستراتيجية بسلسلة التوريد العالمية بالنظر إلى موقعه الجغرافي القريب من الأسواق في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وما يقدمه ذلك من أسعار تنافسية. وفي الوقت الحالي، باتت العديد من الشركات الغربية تعيد التفكير في وحدات الإنتاج التابعة لها في الصين والشرق الأقصى وخيارات التوريد من هذه البلدان، وهذا ما يمنح تركيا الفرصة لتصبح مركزا عالميا في سلسلة التوريد العالمية.

وحتى تتمكن تركيا من تحقيق أقصى استفادة من الفرص الناشئة على نطاق عالمي، من الضروري إحداث بعض التعديلات بالسياسات الأساسية المطبقة في بلدنا.

كانت تركيا في الماضي تتبع سياسة سعر الصرف المنخفض والفائدة المرتفعة المعتمدة أيضا من قبل برامج صندوق النقد الدولي؛ لكن العجز الكبير في الميزان التجاري نتيجة هذه السياسات مثّل مشكلة دائمة لاقتصاد بلدنا لسنوات. وقد سُجل عجز الميزان التجاري لتركيا بشكل خاص خلال الفترات التي طُبقت فيها سياسة سعر الصرف المنخفض ومعدلات الفائدة المرتفعة.

وقد أدى العجز المزمن في الميزان التجاري واستنزاف احتياطيات الدولة من العملة الأجنبية إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي؛ وهو ما شكل ضغطا على الليرة التركية وأثر على قيمتها. وينضاف إلى ذلك تعويل اقتصاد بلدنا المتواصل على الديون الخارجية.

وإلى جانب المشاكل الناتجة عن عجز الميزان التجاري، تمثل طريقة سدّ هذا العجز مشكلة لا تقل خطورة على اقتصاد بلادنا، لأن ذلك يكون في الغالب من خلال ما يسمى “الأموال الساخنة” -وهي رؤوس أموال يتم تداولها لمدة وجيزة وتستجيب بسرعة كبيرة للتغيرات في معدل الفائدة- وهو ما يزيد من إضعاف الاقتصاد.

يقوم النموذج الاقتصادي الجديد الجاري تنفيذه على دعم الاستثمارات وخلق بيئة مشجعة على نمو التوظيف والاستدامة وفرض أسعار فائدة منخفضة وموازنة الطلب على النقد الأجنبي بخفض الواردات وزيادة الصادرات والاستفادة من سعر الصرف التنافسي وزيادة الاستثمارات. وعلى هذا النحو، يمكن تحقيق فائض في الميزان التجاري وتقليل الاعتماد على الدين الخارجي.

وعند النجاح في تخفيض عجز الميزان التجاري والحد من تبعية الدولة للديون الخارجية، سيصبح الاقتصاد أقل هشاشة وسيتشكّل هيكل اقتصادي قادر على مقاومة الصدمات الخارجية من خلال جذب الاستثمار الأجنبي المباشر لبلدنا بدلا من الأموال الساخنة.

وقد ظهرت خلال المراحل الأولى من تطبيق هذه السياسات الاقتصادية آثار سلبية تمثلت في التقلبات المفرطة لأسعار الصرف وهبوط قيمة الليرة التركية في 20 ديسمبر/كانون الأول الماضي. وقد تجاوزت البلاد هذه الاضطرابات بفضل تطبيق مجموعة الإجراءات التي أعلنها رئيسنا (رجب طيب أردوغان). ونحن نعتقد أن فعالية هذه الخطة الاقتصادية الجديدة ستكون واسعة النطاق وستظهر نتائجها الإيجابية في وقت قصير.