و جعلناكم أمة وسطا…

قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)[البقرة:143]، يتضح من الآية الكريمة بأنّ الله تعالى جعل الدين الإسلاميّ دين الوسطية والاعتدال فلا غلول ولا تشديد، ولا إهمال ولا تسيّب، ويتضح ذلك من مظاهر واضحةٍ وأسسٍ ومبادىء يطبقها المسلم في حياته.

بقول الشيخ الطريفي: لو كانت الوسطية تعني التوسط بين تيارين لكان منهج أبي طالب وسطية بين قريش ومحمد ﷺ، وإنما الوسطية اتباع الوحي مهما كانت منزلة صاحبها بين الناس.

و قد قيل أيضا:
“من معاني الوسطية وميزاتها عن غيرها من الأمم أنها تعني العدل والاستقامة وهي دليل الخيرية، كما أنها تمثل الأمان وهو دليل القوة ومركز الوحدة”فإذا كان هناك مبالغة في الدعوة إلى الواقعية قوِّمت بمبالغة مقابِلة في الدعوة إلى المثالية، وكذلك النظرة بين النزعة المادية في اليهودية والنزعة الروحية في النصرانية.

كما أن الدين الاسلامي واقعـي، بمعنى أنه لا يقبل الواقع السيئ، لكنه يطوره بأدوات واقعية، و يجمع بين الثبات في بعض الاحكام والتطور في معالجاتها.

فما هي هذه المظاهر التي تدلّ على وسطية الإسلام واعتداله؟ مظاهر من وسطية الإسلام الاعتقاد: جاء الإسلام وسطاً بين الخرافيين الذين يصدقون كل شيءٍ من غير برهانٍ ولا دليل، وبين الماديين الذين لا يعتقدون بالشيء إلّا ما تحسه حواسهم، فالإسلام جاء ليدعو إلى الإيمان والاعتقاد مع وجود الأدلة البراهين على ذلك.
الايمان بوجود الله: جاء الإسلام وسطاً بين الملحدين الذين ينكرون وجود الله ولا يؤمنون إلّا بما في عقولهم فقط، وبين الذين يعبدون أكثر من إله لدرجة عبادة البقر، والحيوانات، والأصنام، والحجارة، فالإسلام جاء ليدعو إلى الإيمان بوجود الله تعالى لا شريك له وبأنّ بقية المخلوقات هي من خلقه لا تصل صفاتها إلى صفاته عز وجل. الإيمان بالكون: جاء الإسلام بين الماديين الذين ينكرون وجود ما وراء الكون لأنّهم يؤمنون بما يحسونه فقط، وبين الذين يعتبرون الكون وهماً وسراباً لا حقيقة له، فالإسلام جاء ليقود الإنسان إلى الإيمان بالكون وبأنّ وراءه خالقٌ مبدعٌ مدبّرٌ لكلّ ما يحصل فيه.

الإيمان بالأنبياء:جاء الإسلام بين الذين يقدّسون الأنبياء ويجعلونهم آلهةً، وبين الذين يكذّبون بهم ويتهمونهم بالسحر والشعوذة، فالإسلام جاء ليدعو إلى الإيمان بوجود الرسل وبأنّهم مُرسلون من ربّ العالمين لإيصال رسالةٍ ربانيةٍ، وقد أيدهم الله تعالى بالمعجزات لتكون دليلاً على نبوتهم ولكن لا ينادي بهم كآلهة. العبادة:جاءت العبادات في الإسلام وسطيةً، فليست كالديانات التي تنادي بانقطاع الفرد عن الحياة الدنيا وملذاتها والانقطاع للعبادة، ولا كالديانات التي تنادي بإهمال الآخرة وإنكار وجودها والعيش في الدنيا بكلّ ما فيها من محرّماتٍ وفوضى، فقد جاء الإسلام بضرورة الاعتدال في العبادة مع العيش في الدنيا والتنعّم بنعيمها المباح. الأخلاق: جاء الإسلام ينفي صفة الملائكية عن البشر في أخلاقهم والمثالية الكاملة، وبين النظرة المنحطة للعرق البشري التي شبهت الإنسان بالحيوان، بل جاء ليوضّح بأنّ البشر خطاؤون ويتمتعون بالأخلاق الفاضلة.

النظرة إلى حقيقة الإنسان:جاء الإسلام ينظر إلى الإنسان على أنّه روحٌ وكيانٌ في نفس الوقت، فليس كبعض المذاهب التي تنادي بأنّ الإنسان عبارةٌ عن روحٍ علويةٍ سُجِنت في جسدٍ أرضيّ ولا تصفو هذه الروح إلّا بتعذيب هذا الجسد وبحرمانه، ولا بأنّه جسدٌ ماديّ وكيانٌ لا روح فيه، فسيدنا آدم خلِق من التراب والصلصال ونفخ الله فيه من روحه.