ولتنظر نفس ما قدمت لغذ…

{ولتنظر نفس ما قدمت لغد}

كل الأنفس وكل المكلفين، ينبغي أن ينظروا ما قدموا لغد؟ والمراد بالغد هو يوم القيامة، وسُمِّي الغد لأنَّه قريب، وهذا على عادة العرب أنها تعبِّر عن المستقبل بقولها: (إنه الغد).

وهذا للإشعار أيضًا بقرب هذا اليوم، فمهما تطاول الزمان فإنَّه قريب، وذلك لأنَّ كل آتٍ قريب، وكما قال رب العزة سبحانه: ﴿ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ [النحل: 77].

والله جل وعلا قال: ﴿ لِغَدٍ [الحشر: 18]، وذلك لتفخيم شأن هذا اليوم، وتعظيم ما يكون فيه، والمقصود أنَّه ينبغي للإنسان أن يكون مستعدًّا لهذا اليوم الأعظم – يوم لقاء رب العزة سبحانه – ليُجزى الذين أحسنوا بالحسنى، ويُجازى الذين أساؤوا بما عملوا، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [النبأ: 40].

ثم كرَّر الله وصيته بالتقوى، فقال عز من قائل: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ [الحشر: 18]، قال العلماء: (هذا للتأكيد وتعظيم شأن التقوى)، ولأن الإنسان لا ينفك عن حاجته للتقوى؛ لأنَّه متى تباعد عن تقواه لربه جل وعلا، فإنَّه يُسرف على نفسه في الخطايا والطغيان.

ثم قال جل وعلا خاتمًا هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: 18]، اعلموا أنَّه جل وعلا عالمٌ بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تَخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليلٌ ولا حقير؛ وذلك لأنَّ الله جل وعلا يعلم السرَّ وأخفى، لا تَخفى عليه خافية، ومهما أراد الإنسان أن يتخفَّى أو يَستسر بأمر من الأمور، فإنه لا يَخفى على ربه جل وعلا؛ لأنَّه يعلم السر، ويعلم ما هو أخفى من السر، ويعلم ما يتردد في خاطر الإنسان، وإن لم يَبُحْ به لأحد؛ لأنَّه جل وعلا هو الخالق القادر عالم الغيب والشهادة، تعالَى وتقدَّس.

ثم إنَّ الله جل وعلا نهانا عن أن نكون على حال أولئك الذين لم يستشعروا المعاد له جل وعلا، فقال: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر: 19]؛ أي: لا تنسوا ذكر الله، ولا تنسوا طاعته، ولا تتناسوا الاستقامة على شرعه؛ لأنَّ من كان كذلك، فإنَّ الله جل وعلا لا يعبأ به، ويؤدي به هذا الأمر إلى أن ينسى نفسه، ينسى هذا الإنسان الذي تناسى طاعة الله جل وعلا بسبب إعراضه عنها، وعدمِ حبِّه وإقبالِه عليها، وتعظيمِه لشأنها أن الله جل وعلا يعاقبه بعقوبة عظيمة، وهي أنْ ينسى العملَ الصالح، ينسى ما ينجيه، ينسى أسباب نجاته، الذي هو مصلحته وفوزه وفلاحه في الدنيا والآخرة، والجزاء من جنس العمل، وكما قال بعض العلماء: (إنهم عوقبوا بذنبهم، بالذنب أن يُصروا عليه وأن يبقوا عليه).

من تفكر في عواقب الدنيا ‏أخذ الحذر, ‏ومن أيقن بطول الطريق ‏تأهب للسفر. ‏[ابن القيم]