وفاة وائل الابراشي

ْ
عاش وائل الإبراشي خمسين سنة ثم مات، حياة قصيرة للغاية، ربما لو أبصر تلك الحقيقة منذ البداية لأعاد حساب الأمر برمته، هل كان الأمر يستحق كل هذا العناء؟

شباب بلا شيخوخة، في خمسين سنة فقط، عاش أغلبها
ملتصقا بكرسي أمام شاشة تراقبه من خلفها عين، ينتقي كلماته بخوف وترقب، يلعب دور بواب عمارة العاهرات، لا يمس فراشهن فينعم، ولا يرفعن مقامه فيغنم.
ْ
لماذا اختار وائل الإبراشي هذا الطريق؟ ما الذي كان يراهن عليه؟ حياة كحياة الأثرياء المعمرين؟ تأمين صحي متقدم يبشره بعمر مديد؟ علاقات مع “الكبار” تحفظ له منصبا عندما يبيض شعره ويشيخ شبابه؟
ْ
لم يحسب الإبراشي حساب القدر، مات شابا، لم يدرك مِن كل ما راهن عليه شيئا، أنفق شبابه في انتظار فرج المشيخ، ثم استفاق على حقيقة أن الأمر برمته لم يكن يستحق العناء، وأن كل سنة من شبابه أضاعها في خدمة الباطل، كانت لتكون أكثر رجاء لو أنفقها في إمتاع نفسه بحياته القصيرة التي لا مكان فيها لإدارك العِوض.
ْ
نهاية وائل الإبراشي ومن على شاكلته، تنقلنا عبر الزمن إلى المشهد الأخير من أعمارنا، تذكرنا أن مكر القدر لا يؤمن جانبه، وأن الرحلة أقصر من أن نؤمل فيها الخلود، وأن أعمارنا -على قصرها- أقيم من أن ننفقها في بناء باطل غيرنا.
ْ
خسر الإبراشي رهان حياته، لم يربح من رحلته كلها شيئا، لا عاش كريما في نظر نفسه، ولا محترما في نظر الناس، ولا مقدرا في نظر من يخدمهم، باع كل شيء مقدما ولم يقبض الثمن، صفقة خاسرة، ورحلة حياة أخرى قاحلة على هذا الكوكب.
ْ
اليوم، ادعوا على وائل الإبراشي أو لا تدعوا، لكن ثقوا أنه قد نال نصيبا غير قليل من العناء في حياته، فلا أشقى من حياة كالتي عاشها، ولا خسران أكبر من خسارته شبابه في مقابل اللا شيء، ولا أذل من أن يقيمه الله على تلك الحالة حتى مماته دون أن يدرك الرشد أو يترك في صفحته نقطة بيضاء، ولا أقحل من حياة قصيرة قضاها صاحبها يمسح مجاري البيت الآيل، ثم لما حان وقت السكن فيه، احتمل حقيبته وغادر!

Cpd