لهم الدنيا و لنا الاخرة؟! أزمة إنسان!!!

بقلم: محمد كمال

التقيتُ في مؤتمر للسلام في باريس بصحفية لامعة تجاذبنا سوياً أطراف الحديث وكان مما ثار ودار من نقاش وحوار عن البؤس الذي نعيشه في بلاد العالم الثالث مقابل الرفاهية التي يعيشها الناس في العالم الغربي، وأنها ممتعضة جداً من تلك المعاناة وإن كانت تردُّ ذلك أن الله تعالى ما حرمنا تلك الرفاهية إلا ليجمع لنا ثواب ومتعة ما حرمنا منه في الدنيا ليجعله لنا كاملا في الآخرة، فقلتُ لها: لو رجعتِ عدة قرون للوراء لوجدتِ عكس ذلك، وجدت بؤساً وشقاء في الغرب، ورفاهية ورغدا في الشرق، ثم فلنتجاوز نقطة تداول الحضارات ودوران النعم والعطايا، ولنقصر حديثنا حول هذا المنطق المغلوط الذي نُرجع إليه الأحداث، – هؤلاء قوم أعطاهم الله الدنيا وجعل لنا الآخرة !!، هل هذا الطرح أو التعليل يصحّ، هل يمكن لعقل سوي أن يقبله؟، إذاً فلماذ استخلفنا في أرضه، وائتمننا على نعمه، وأمرنا بالإحسان إلى خلقه، أذلك يكون عن غنى وقوة أم عن فقر وضعف؟، أين نحن من قوله تعالى: ” يَـبَنِى ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد وَ كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَتُسْرِفُوا”، وذلك لا يتحقق إلا بعمل وإنتاج، لماذا نعمد إلى الآيات فنأخذ بعضها وننكر بعضها، خذوا زينتكم بشيء صنعته أيديكم وبذلتم فيه جهدكم، فنحن يا سيدتي قوم مستهلكون – اجعليها على ما شئتِ بكسر اللام أو بفتحها فهما سواء، ثم أَلَمْ يعدِ الله تعالى آدم عليه السلام بالاستقرار والتمتع في الأرض، فالله تعالى لم يجعلنا في الأرض ليعذبنا ويؤجل متعتنا إلى الآخرة، وإلا لما تاقت نفوسُ الملائكة إلى مثل هذا المقام، الأزمة يا سيدتي باختصار أزمة إنسان، إنسان يحترم وجوده ويحسن قيامه على ما أوكل إليه، إنسان يقدر عقله ويطور فكره، ويستفيد من طير سارح في ملكوت الله، أو دابة تسعى في مناكب الأرض، إنسان يرى نفسه خليفة لله في الأرض فيتقن عمله ويحسنه، ويقيم العدل ويفشي السلام وينشر الرحمة ويتعامل بالعفو والصفح، ويدرك أن قيمته بحسب ما يخدم به غيره، لا بحسب ما يملك ولا بحسب ما يقتني، فالناس لا تكون أقدارهم بعقولهم ولا بأموالهم مجردةً، ولكن بقدر ما يفيدون غيرهم بتلك العقول ويصلحون أحوال غيرهم بما يملكون، فالذين يكنزون الذهب والفضة شأنهم شأن الذين يركنون إلى الدعة والكسل وإهمال العقل وعمله وإغفال النصح لخلق الله ومساعدتهم، كل هذا خبيث يجعل الله بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ، وقبل ذلك تدوسه نعال الخلق لأنه خيانة لأمانة الله تعالى وأمانة الخلق.