لم رمضان دون غيره؟!

أتعلم حجم المكرمة، والمنّة العظيمة التي امتنّ الله عليك بها؟ أتُدرك كم أنت محظوظ؟

عملُك في هذه الأيام سيكون الجواب على هذا السؤال: ولمَ رمضان دون غيره؟

إنّ رمضان عبارة عن معسكرٍ إيمانيّ، جميع ما فيه يُعينك على الطّاعة، كل الأوضاع التي قدّرها الله في هذا الشهر تُمسك بيديك وتأخذكَ نحوَه

كُنتَ في سالفِ أيّامك تشكو وسوسة الشيطان الذي تدّعي أحيانًا أنه أقوى منك، ذلك الذي قطع على نفسه عهدًا على غوايتك وإيرادك المهالك؛ فصفّده وأبعدهُ عنك وأتاح لك الطريق ممهدًا

ليس ذلك فحسب!
هيّأ لك ما يستحثّك لإكمال المسير؛ ففتح لك أبواب الجنّة على مصراعيها

وشعر بك وأنت تتذكّر معاصيك التي اقترفتها على حين غفلة، ولهبُ جهنّم وسعيرُها الذي يلوح لك بين الفينة والأخرى، والقنوط الذي داهمك؛ وبكلّ لُطفٍ ورأفة يقول لك سُبحانه: لا تخف، غلَّقتُ أبوابها عنك

يقول الحبيب ﷺ:
“إذا كانت أول ليلة من رمضان صُفِّدت الشياطين، ومَرَدَة الجنّ، وغُلِّقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنّة فلم يُغلق منها باب…”

ليس هذا فحسب، فهاهو يحفّزك أيضًا، ويخبرك أن هناك قائمة بأسماء العُتقاء من النّار، وكأنه يهمس لك: يا عبدي، إن فضلي واسع، وكرمي جمّ، وها أنا في كل يومٍ وليلة أعتق عددًا لم أحصره من النّاس، فلا يفوتنّك هذا!

يقول الصادق المصدوق ﷺ:
“إن لله عتقاء في كل يومٍ وليلة”
وفوق هذا الكرم يأتيك وعدٌ صادقٌ منه سبحانه:
“لكل عبدٍ منهم دعوةٌ مستجابة”

ثمّ يخبرك أنّ أجر صيامك عن كل ما لا يرضاه ولا يحبّه سبحانه -إيمانًا واحتسابًا منك- فهو عليه، وهو أكرم الأكرمين سُبحانه، الذي لو أعطى كل إنسانٍ مسألته؛ ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر!

أعلمتَ الآن لمَ رمضان دون غيره؟

ربّك يدعوك إليه، يطمئنك أنّك بإيمانك واحتسابك وامتثالك لما أمر به وانتهائك عمّا نهى عنه ستكون من الفائزين، رُغم الصدأ الذي يغطّي قلبك، والتقصير الذي يكسوك من رأسك لأخمص قدمَيْك!

ثمّ بعد كل هذا؛ أتُفرّط؟

والله إنها لمن أفدَح الخسائر، وأكبَد المشاقّ أن تدرك رمضان ولا تنهل من معينه، ولا تعمُر أوقاته بالذكر والعبادة والطّاعات!

أتدري أنّ السابقين من قبلك كانوا -في رمضان- يعتزلون مجالس العلم من فقهٍ وحديثٍ وغيره من العلوم الشريفة، التي هي من أعظم وأجلّ الأعمال التي يمكن للعبد أن يعملها؛ لأجل أن يعكفوا على القُرآن والعبادة؟

نعم، النّاس يتنافسون والسباقُ قائم، فلا ترضَ لنفسكَ -بعد كل المكرمات التي علمتها- أن تكون في الدرجات الدُنيا
دَعْ كُل ما يشغلك ويصرفك عنه سُبحانه، أرِه صدقك وإخلاصك، رغبتك في الإقبال عليه
ألِحّ بدُعائك، والزَم بابه، واطرقه المرّة تلو المرّة؛ حاشاه أن يردّك خائبًا صفرًا!
اقرأ كلامه، واسأله أن يُحيي قلبك ويعمر خرابه بالقُرآن، استشعر خطابَهُ لك في كل آية، واللهِ لن تكون كما أنت عليه بعد هذا كله.

أوصيك ختامًا:
عِش رمضان بشعور المودّع الذي أتته فرصةُ النّجاة الأخيرة؛ فأنت لا تضمن أن تُدرك رمضان القادم -فضلًا- عن أن تبلُغه كاملًا هذه المرّة.