لا يسأل عما يفعل وهم يسألون…

لماذا اخبر الله عز وجل عن نفسه بهذا الخبر؟ ولماذا وصف نفسه هذا الوصف؟

الذي لا يسأل عما يفعل إما أن يكون خوفا منه او ثقة فيه وحكمة منه.

فالاول مانع السؤال فيه هو الخوف الذي سلطه على السائل حتى غابت حروف السؤال عن مخيلته، وتبعثرت صيغ الاستفهام في ذاكرته، وانمحت ألفاظ الاعتراض من قاموسه، فصار السؤال سفاهة، والاستفهام وقاحة والاعتراض جريمة، وصار فعله حكمة ورأيه سنة، وقراره عقيدة…
هذا كله لانه ظن أنه إن ازال مانع الخوف وانتظمت حروف السؤال وترتبت صيغ الاستفهام وبرزت ألفاظ الاعتراض وأصبح السؤال نباهة، والاستفهام ثقابة، والاعتراض كفاءة، ستظهر الجرأة وستزول الهيبة وستنزل القيمة، وسيسحب البساط وبالتالي فلابد من تثبيته بالاستبداد والسياط…

أما الاحتمال الثاني…
وهو ان يكون المانع من السؤال أمرين اثنين:
الثقة وهو أن يكون الذي يتوقع منه السؤال على ثقة تامة في الذي صدر منه الفعل فتغمر تلك الثقة قلبه وجوارحه وألفاظه حتى يغيب السؤال عن خاطره، وحتى تنمحي صيغ الاستفهام عن خلده، وحتى تتلاشى ألفاظ الاعتراض أمام سطوع تلك الثقة القوية التي لا تبقي للشك مكانا، ولا للتردد عنوانا…
تلك الثقة نتجت عن تأمل لنماذج وأحوال بلغت حد تواتر أوصل النفس إلى أعلى درجات اليقين، فصار السؤال وعدم السؤال لهذا الفاعل سواء عند اي عاقل رصين.
ونتجت عن حكمة مستفيضة مطلقة للذي صدر منه الفعل…

فالثقة مثلا تعمي الولد أن يسأل والده عن أمور يفعلها من اجله وإن كانت قاسية لانه يثق في أبيه أنه لا يريد به إلا خيرا…
والثقة تعمي المريض أن يسأل طبيبه عن تفاصيل يفعلها لأنه يثق في طبيبه أنه لا يفعل به إلا خيرا…

وإن كانت الثقة في المثالين جزئية فما بالك بالثقة الكلية!

الأمر الثاني:
الحكمة وهي تتبع وتأمل الاتقان والاحسان في أفعاله المشهودة والمنظورة والمقروءة مما يكون عند من يتوقع منه السؤال يقينا راسخا شامخا تضمحل أمامه كل صيغ السؤال والاستفهام، وتصبح صيغ الاعتراض لونا من ألوان المكابرة والعناد…

فالحكمة تعمي التلميذ أن يسأل أستاذه عن معادلة أو مسألة رياضية يأخذ نتيجتها كمسلمة دون الاطلاع عن تفاصيلها ومراحلها لانه لم يبلغ المستوى الدراسي الذي يؤهله لفهم تفاصيل كتلك…

أما الاحتمال الاول فهو مستحيل ينسب إلى الله عزوجل لان الاستبداد والظلم لا يصدر الا عن ضعيف هو الحقيقة هو محتاج الى سؤال غيره ومشورته لانه إن لم يشاور ضاع وأضاع فظن المسكين أنه قوي فاحتاج إلى تكميم الافواه والسنان، ليظهر قوته ويخضع بني الانسان، وناقص لأنه في الحقيقة يكمل بغيره ولا يمكن أن يكمل الا بذلك الغير فيتوهم الكمال في نفسه بإخضاع الناس له فيفسد ويفسد، وفقير لأنه في الحقيقة يستغني بغيره فيحسب أنه غني بمفرده فيضطر إلى إبراز غناه على ظهور من يرفعه فيهلك ويهلك…
والله عزوجل قوي قادر قدرة مطلقة لا يزيدها مدح ولا ينقصها ذم…فهو خالق قبل خلق الخلق وبعد خلق الخلق سبحانه وتعالى…
والله جل جلاله كامل فلو كان الناس على اتقى أو افجر قلب رجل ما زاد ولا نقص ذلك من ملكه شيئا…
والله سبحانه غني لا يحتاج إلى ثناء ولا يضره ذم…

أما الاحتمال الثاني وهو الثقة والحكمة

فلا شك أن من تأمل صنيع الله عز وجل الكوني وتنزيله الشرعي ونظر إلى ذلك بإنصاف وعدل لعلم علم اليقين أن صانعه ومنزله حكيم تسبق حكمته ورود السؤال إلى الخاطر والمخيلة، ذلك التواتر لتلك الحكمة رسخ في القلب ثقة ويقينا تتلاشى دونه رياح التساؤل والتشكك، فيصير السؤال في غالب الاحيان مستحبا ليطمئن القلب، مع عمق جذور اليقين…

هذه الثقة وتلك الحكمة المطلقتين لا تتحقق بأدق درجات الحصر الا في خالق إله معبود حق سبحانه وتعالى أو عمن يبلغ عنه من الانبياء والرسل لا يسأل عما يفعل… أما غير ذلك فكيفما كانت صفته دينية او غيرها ومهما كان منصبه او عرقه او نسبه او لونه او ماله او جاهه فإنه داخل في ضمير وهم يسألون…

هذا ورغم تلك الثقة وتلك الحكمة فإن ذلك الرب الكريم الإله العظيم منح ذلك الانسان الذي أغرقه بنعمه واغدق عليه من فضله ومن كل ما سأل من عليه، منحه حرية في الاختيار فصبر عليه ولطف به وحلم به سنوات وقرونا وشرقا وغربا وشمالا وجنوبا وبرا وبحرا وجوا، وهو تحت سيطرته وملكه المطلق الذي لا ينازعه فيه احد، ولا يصرفه عنه أحد، وأظهر له الايات وأرسل له الرسل بالحكم والمعجزات لعله يؤوب ومن غيه يتوب.

هذه الآية لا تؤسس للاستبداد ولا لثقافة الاستبداد لانها خاصة بالموصوف بالثقة المطلقة والحكمة المطلقة وهاتان الصفتان لا تتحققان الا في الإلاه الخالق المعبود الحق سبحانه وتعالى. بل يؤسس لمبدإ العدل والحرية وإنه من أراد أن يلتحق بذلك الركب فلابد ان يغلب على فعله الحكمة حتى يغلب سيول السؤال بسدود الثقة…