كيف يتشيع أهل السنةكيف يتشيع أهل السنة؟

يأخذ التشيع في بنية المجتمع الشيعي حيزاً كبيراً في المشهد الدعوي الشيعي، حتى يكاد أن يكون جميع الشيعة دعاة للتشيع، من مرجعهم وعلمائهم ودعاتهم إلى جاهلهم، مروراً بالعلماني منهم والشيوعي والملحد!

استيعاب هذه الحقيقة شيء مهم في فهم عملية الانتشار الشيعي، كيف يتحقق وما هي أدواته ووسائله، وكيف أن الشيعة يستثمرون في مشروع تشييع غير الشيعة، وإدراك ذلك يتطلب منا الوقوف على مسائل عدة، منها:

1- الشيعة بمراجعهم ودعاتهم ونخبهم لا يسعون لمجتمع شيعي متدين، وهذا أمر لا يشكل لديهم أهمية تذكر – إلا في المظهر -، فبمجرد أن تؤمن بالتشيع عقيدة لا يضرك بعدها عدم تمثل الممارسات التعبدية، طالما أنك قائم متفاعل مع (العزاء الحسيني) ، وطالما أن غبار زوار أبي عبد الله قد خالط أنفاسك، واحترقت به عيونك، فلا يضرك بعدها شيء، فأنت من الشيعة، ومن أولياء الإمام، وستنال الشفاعة والمغفرة والجنة!! وإن كنت لا تصلي ولا تصوم …
بهذا المنطق ندرك حقيقة تدين الشيعة، الذي يسع جميع الشيعة، المتدين منهم وغير المتدين.

لذلك دين الشيعة لا يهتم بالعبادات – كتمثل – بقدر اهتمامه بالأفكار كقناعات، في سياق عاطفي يؤلب ويحشد ويجمع الجميع حول الفكرة.

2- نتيجة لذلك نجد الشيعي مهما علت درجته ومنزلته أو صغرت فهو داعية بالفطرة للتشيع؛ كون الفكرة أهم من أي التزام عبادي فانتمائه للتشيع أصله الفكرة وثمرته الدعوة، وما سوى ذلك يستاهل فيه ولا يلام عليه، فلا المذهب يُدينه ولا العلماء يفسقونه أو يبدعونه، وفي أحسن الأحوال يرغبونه بذلك الجانب العملي للتدين بالمذهب الشيعي كممارسات تعبدية.

هذا الفهم ينقلنا إلى إدراك حقيقة التركيز الكبير في الخطاب الشيعي تجاه الفكرة من خلال ما يعرف بـ(المقتل الحسيني) وتبعاته، في الخطب والمجالس والإعلام والسياسة، والطعن بالصحابة وأمهات المؤمنين، بمقابل إظهار مظلومية أهل البيت، وكل حديث بعد ذلك يصب في هذا الإناء من قريب أو بعيد، فينشأ الشيعي مشبعاً بالشعور بالمظلومية والحقد على السنة، لأنهم – بتصورهم – هم أعداء أهل البيت، مغتصبو حقهم وقاتلو أبنائهم!! وهلم جرا .. فينشأ أحدهم داعية للتشيع، والانتماء لفكر التشيع يغفر له كل شيء حتى لو تجرأ على الله عز وجل بالسب لا يضره ذلك ولا يخرجه من دعوة التشيع، فتجرؤه على سب الله أسهل من جرأته على سب أحد أئمة التشيع، وأن يحلف بالإمام أعظم من أن يحلف بالله، وأن يحلف بالله كاذباً أهون من أن يحلف بالإمام كاذبا، ولهذا فهو متلبس بحال الداعية في سلوك غير محسوس، فكل مجلس يضم الشيعة أو غير الشيعة تجده فيه داعية للتشيع من خلال هذه الممارسات، أو بالحوار الصريح، أو من خلال الهمز واللمز والتجريح، لأن كيانه قد أشبع بذلك حد التخمة، من حيث يشعر أو لا يشعر.

فإذا أدركنا ذلك وجدنا أن الشيعة كيان دعوي بالجملة، ولهذا يشارك المجتمع الشيعي بدعوة غير الشيعة للتشيع من خلال أساليب وممارسات متعددة، ولعل أبرز ثلاث خطوات تمارس في ذلك مع ثلاثة أجيال بالتزامن أو بالتتابع، هي:

1- قبول الشيعة مجاملات أهل السنة وسكوت السنة عن ممارسات التشيع التي تصل إلى قبولهم لدعوات المشاركة في الزيارات والمناسبات الشعائرية الشيعية، وهذه الخطوة تفتح الباب لحالة ذوبان أهل السنة داخل المجتمع الشيعي، فلا يجد السني نفسه إلا وقد أصبح في واقع يصعب عليه أن يتكلم فيه بكلمة تعبر عن هويته وانتمائه السني أو أن يفعل فعلاً يدل على تباينه عنهم، هذا إن أدرك ذلك وإلا فغالباً لا يرى في ذلك بأساً فهو يعده من باب المحافظة على النفس وأن المجاملة لا تضره في دينه وتحفظ عليه دنياه، وهذا يتمثل بالجيل الأول.

2- ولن تكون المجاملات والمشاركات في الممارسات الشعائرية الشيعية هي نهاية المطاف، بل سيتبعها زيجات ومصاهرات تنتقل من الجيل الأول لتدخل على الجيل الثاني، فالشيعي يتزوج من سنية، والسني يتزوج من شيعية، وهذا حادث بشكل كبير داخل المجتمع، وهذه الزيجات هي أرصدة تنمو في داخل المجتمع الشيعي وتكبر، تتجذر بالأولاد والرحم والدراسة والعمل والتجارة وغيرها، وهذا متحقق في الجيل الثاني بشكل أكد.

3- وفي الجيل الثالث يتحول الأمر إلى انتماء عقائدي ينفصل به السني عن سنيته ليكون شيعياً خالصاً، سواء كان متديناً أو غير متدين، فواقع الحال يفرض عليه خصوصيته، وتشابك العلاقات (المجتمع الذي يعيش فيه، الدراسة والعمل، المصاهرة والرحم) لها كلمة فصل في تشكيله وتوطينه بالتشيع.

ولهذا نجد المجتمع السني في لبنان في مناطق النفوذ الشيعي أو في سوريا ضمن مناطق النظام أو في العراق في المحافظات المختلطة الجنوبية والوسط – في الغالب – يمثل الجيل الأول والثاني – بتفاوت – بالدعوة للتشيع لأنه جيل قائمٌ على مجاملة الشيعة في طقوسهم وممارساتهم الشعائرية، والشيعة مدركون لهذا الأمر وراضون به ولا يرغبون بالتفريط به، ويمثل لهم خطوة مهمة وكبيرة باتجاه تشييع المجتمع السني على مستوى الجيل الأول والثاني، وحريصون على الوصول للجيل الثالث، جيل العقيدة والانتماء للفكرة.

*ومما يجب أن يقال:* أن هذا الكلام ليس على إطلاقه، فهناك سنة التدافع وإن كانت محدودة ضعيفة – الأن – إلا أن شعلتها متقدة تحت الرماد، ولعلنا في قابل الأيام نرى أن تيار التشيع في انحسار، وتيار التسنن في صعود وبروز.

والله أعلم وأرحم