فَحَنَّ الجِذْع

كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يخطبَ في الناسِ وقفَ على جِذعِ نخلةٍ كانَ في المسجدِ لأجلِ هذا، فلمَّا صنعوا له منبراً، ووقفَ يخطبُ عليه حنَّ الجِذعُ إليه، وسُمِعَ له أنين المُشتاق، فجاءَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومسحَ عليه بيدِهِ الشَّريفةِ كالمُواسي لهَ فسكتَ أنينُه!
وكانَ الحسنُ البصريُّ إذا حدَّثَ بهذا الحديثِ بكى، وقالَ للناسَ: يا عباد الله، الخشبةُ تحنُّ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم شوقاً إليهِ لمكانِهِ من الله، فأنتم أحقُّ أن تشتاقوا إلى لقائِهِ!
وإلى هنا تنتهي سلسلة على خطى الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الحنين لا ينتهي، فأينَ يدكَ لتمسح بها على قلوبٍ تحنُّ إليكَ، أينَ وجهكَ ننظرُ إليه ثم بعد ذلك على الدُّنيا السّّلام، أين صوتكَ نسمعُهُ فنرتوي فإنَّ العطش إليكَ قد بلغَ الحناجر!
نُحِبُّكَ يا رسول الله، واللهِ نُحِبُّكَ، وما تخلَّفنا عنك بإرادتِنا ولكنَّها مشيئة الله فرَضِيْنا بها!
وددْنا لو كنا في مكة يوم نزلتَ من الغارِ ترتجفُ من هولِ الوحيِ لنضُمكَ كما فعلتْ خديجة!
وددْنا لو كُنا معكَ يوم الطائف درعاً فتُصيبنا الحجارة بدلَ أن تُصيبك، أو على الأقل كُنا ضَمَّدْنا جِراح قدميكَ بقُلوبِنا!
وددْنا لو كُنا معك َفي شِعب أبي طالب لنُطعمكَ بأيدينا فإن عجزنا واسيناكَ وجُعنا معكَ!
وددْنا لو كُنا عند الكعبةِ حين وضعَ ابن أبي معيط سلى الجزور على رأسكَ وأنتَ ساجد لنأكله بأسناننا أو على الأقل نُعينُ فاطمة وهي ترفع أذاه عنكَ!
وددْنا لو نمنا كُلنا مع عليّ في فِراشِكَ لنَفديكَ!
وددْنا كُلنا لو رافقناكَ مع أبي بكر في هجرتِكَ، لكُنَّا رصفْنَا لكَ الطريق بقلوبِنا يا حبيب قلوبنا!
وددْنا لو كُنا في المدينةِ يوم وصلتَ فننشدُ ملء حناجرِنا أن البدر طلعَ علينا!
وددْنا لو كُنا معكَ يوم بدر لنقول لكَ كما قالَ الأنصارُ: واللهِ لو خضتَ بنا برك الغمادِ لخُضناه معكَ وما تخلَّفَ منا أحد!
وددْنا لو كُنا معكَ يوم أُحُد لنقول للرُّماةِ: باللهِ عليكم لا تبرحوا أماكنكم، ولنستشرس بالدفاعِ عنكَ كما فعلتْ أُم عمارة، ولنمسح دمكَ الزكي الطاهر الذي سالَ على وجهِكَ، أو على الأقل لنضمكَ ونُواسيك بفقدِ عمكَ حمزة!
وددْنا لو كُنا معكَ يوم الحُديبية لنقول لكَ نحن جُندك في السِّلم والحرب!
وددْنا لو كُنا معكَ يوم فتح مكة فنفرح لفرحكَ حين أظهرَ اللهُ دِينَه!
وددْنا لو كُنا معكَ في حجةِ الوداعِ لنسمع وصاياكَ بصوتِكَ ونقول لكَ: نشهدُ أنكَ قد بلَّغتَ!
وددْنا لو كُنا في المدينةِ يوم وفاتِكَ لنبكيكَ، ونُخبركَ أنَّ فِداكَ أنفسنا وآباءنا وأمهاتنا وأولادنا وأموالنا!
عزاؤنا فيك قولك: موعدي معكم ليسَ الدُّنيا، موعدي معكم على الحوضِ، وإنَّا لنصدقكَ!
وعزاؤنا فيكَ قولك: المرءُ مع من أحبَّ يومَ القيامةِ، وإننا والله نُحبُّكَ..
بقلم: أدهم شرقاوي