في بستان خاتم الأنبياء ﷺ الحرب أخلاق وقيم”

بقلم :عيسى السقاري.

أنهل من عَبق سيرته، متبحرًا في نهر هديه، مرتويا من ينابيع فضائله، مترنما بألحان ذكره واسمه، مقتديًا به، محبًا له، معظمًا لسنته. فإذا كان ألة الجذب (المغناطيس) يجذب ما حولها من المواد، وسيرة الرسول أكبر من ذلك إنها تجذب أرواحنا ونبضات قلوبنا وهمسات مشاعرنا، تجذب حركتنا وتقودنا نحو الأمان والسلوان. يتفجر كياني صراخا وبكاء وكمدا من كل سخرية وخبث ومكر يطال مقام النبي أو يتجرأ عليه بسوء لفظ وبذائة قول، ورسوم حقد وغل وبغضاء.

كل ناعق بالزيف والباطل إلى الحضيض الأسود وإلى مدارك السافلين.وتبقى سيرة النبي المعظم نخلة باسقة الطلوع، شماء الجذوع، عالية بين الأرض والسماء، ترافقها السحاب، وتضيئها النجوم، وتحرسها الكواكب، وتمجدها المواكب، وتستقي من أنوارها الشموس والأقمار والأفلاك والغياهب، لا يضرها نباح الكلاب، ولا يؤذيها ضجيج الغراب.ولو كان الرسول عليه الصلاة والسلام فوق البشرية لصعب علينا الاقتداء به والسير على منواله.

أقف حائرًا من حيرة كل الحيارى بين جيل لم يدرس سيرة رسوله الكريم ﷺ إلا وقوف المتعجلِ في طلب مدارسة سيرته والانتهاء من مطلوبات فُرضت فرض إسقاطٍ لا فرض توجيه وإعداد، فرضت لتقطع صلتنا بخير الورى، خير من وطئ الثرى، ما وقفنا في حديقة المصطفى نتجول إلا وشذا لنا من كل زهرةٍ عطرًا يُفاوح أجوائنا بطيب مسمعه.‏

لا يخرج في مواطن القتال إلا وقد أرشد وحذر، ونصح وأوجز، تاركًا عشر وصايا تصلح لأن تكون وثيقة عالمية كلها مبدوءة بحرف “لا” من الطفل الرضيع، والشيخ الكبير، والمرأة في عُقر دارها، والعابد في صومعته، والمريض في عزلته، والدار العامر يظل عامراً بعمرانه، والجائع منهم يُطعم، والشاة لا تعقر، والغدر والتمثيل في أجساد القتلى، وفك الأسرى، فأخلاقه في الحرب هي كأخلاقه في السلم لا يُحارب إلا المحارِب، فرسالة دعوته في جهاده وقتاله كـ”مشرط طبيب ينتشل الضررَ بقدر الحاجة ليحفظ حياة المريض”؛ وفي كل غزواته وسراياه لم يأتي ليقتل كما يقول قتلة الأفكار والسلاح، بل جاء ليحمي الشجر والإنسان والحيوان.

إن واقعنا الحاضر يعجز أن يلتزم بإحدى هذه الخصال والشواهد في أيامنا ناظرة للأعيان حتى كاد الأعمى أن يكون بصيرا من هولها وقسوتها، ولقد أوقعت في نفسي واقعة مسيرة رسولنا الكريم وأنا أتتبع عدد قتلى المشركين وشهداء المسلمين في سبعة وعشرين غزوة غزاها في عشر سنوات بعد هجرته إلى المدينة فوجدت أن إجمالي الذين قتلوا عددهم “سبعمائة وستة وستون” من الجانبين وهو قليل لما عرفته العرب قبل الإسلام من حروب وإبادة وما يُرتكب في واقعنا من مجازر وجرائم.

إن لدين الإسلام فضائل وقيم أخلاقية وإذا كانت الحرب هي أشدُ المواقف عنفوانًا وحماسة وشدة وبأسًا للمحارب والمقاتل، ومع ذلك نجد قيم ومبادئ الإسلام سابقة للحرب، يدخل مكة بتواضعه لا بقوة جيشه، وعتاده يفتح قلوب الأبدان قبل أن يفتح البلدان، وهذا من تفضيل الله على هذه الأمة المختارة من بين الأمم لتُعلم البشرية والعالم أن قواميس السلم و السلام الحقيقي، قد سبقَ الإسلام بتأبيد أركانه وتوطيد قواعده قبل أن يتبناها أحدُ على وجه الأرض، وأن قطع الرؤوس وتفجير البطون ليست من أخلاقيات الإسلام الحقيقي الذي تعلمناها من رسولنا الكريم ﷺ، فالرأس الذي يقتُل هو مسلم والذي يُقتل هو أخيه في إسلامه، ولكن الفكر الذي في رأس القاتل ليس بفكر مسلم يعرف توجيهات وأخلاقيات معلم البشرية صاحب الإلتزام بالعهود والمواثيق، الذي لم يغدر ولم يخن في كل عهده وعهوده وفي كل وعد من وعوده، هذه سيرة نبينا وهي ذرة في فلك سابح  تسر الناظرين إليها وتأسر قلوب السائرين نحوها، هذا رسولنا في ساحة الحروب والجهاد والقتال يعطي دورس الرحمة  في أشد المواقف الثقال، أمِن مثله يُهاجم، أمٍن مثله يُعادى ويشتم، أمِن مثله يُطعن بخُلقه ‏ويُلمَم.إنها فورة عصر لا تعرف محاسن ومحامد الأخلاق فبوازغ نورالرسالة المحمدية تظهر في أيام شدتها وأنَّ لنا دين يمتد إذا تُرك ويشتد إذا حورب، فقد قطف الأعداء من بستان سماحته وصفحاته “اذهبوا فأنتم الطلقاء” فمتى ستصل البشرية إلى وردة لم تنبت إلا في بستان رسالة خاتم الإنبياء ﷺ

نقطـــــــــــــــــــــة.نأمل ذلك وإن كنا في زمن العجب والعجائب..