في الناس لئام…

بقلم الاستاذ محمد جابر من جريدة المشكاة الطيبة فلسطين 48

أبو محجن الثقفي أسلم في السنة التاسعة للهجرة قبل وفاة النبي بعام، ورغم صدق إسلامه وثباته عليه أيام الردة، بل استعمله أبو بكر في وأد الردة، إلا أنه كان مدمن خمر، أُقيم عليه حد الخمر سبع مرات حسب أصح الروايات، ومع ذلك لم يرعوي عن هذه الكبيرة العظيمة بل كان يقول:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فإننـي أخاف إذا ما مت أن لا أذوقهـا
غير أن حبه لله ولرسوله ولدينه كان عظيما، وكان الجهاد، وهو ذروة سنام الإسلام، أحب الأعمال إلى نفسه، وكان رضي الله عنه فارس هذا الميدان يميزه المسلمون من بين عشرات الالوف من الجنود….
خرج مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى واحدة من أهم معارك الإسلام، القادسية، لمواجهة أعظم جيش في العالم في ذلك الوقت، الفرس، في حرب غير متوازنة في كل شيء، عدد المسلمين حوالي ثلاثين ألفا والفرس فاق المئتا الف. وبينما كان الجيشان يستعدان للمعركة أُتي بأبي مِحجَن وقد شرب الخمر، فأمر سعد أن يُقيّد ولا يسمح له بالانضمام إلى جيش المسلمين، وكان في خيمة تحت إشراف زوجة سعد ونساء المسلمين المرافقات للجيش الإسلامي، فشعر بحسرة وحزن كبير وليس ذلك للقيد الذي برجله، وإنما لمنعه من الانضمام إلى جيش الإسلام وتسجيل اسمه في صحائف النور في الذود عن الدين. وكان شاعرا فحلا فقال قصيدة عبر فيها عن ألمه وحزنه كان مطلعها:
كفى حزَنًا أن تُطرَدَ الخيلُ بالقنا وأُترَكَ مَشدودًا عليَّ وَثَاقِيَا
ثم قال لابنة خصفة امرأة سعد: أطلقيني ولك الله عليَّ إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، وإن قُتلت استرحتم مني. فحلَّته ، فوثب على فرس لسعد يُقال لها: البلقاء، وأخذ رمحًا، فجعل لا يَحمل على ناحية من العدو إلا هزَمَهم، والناس يقولون: هذا مَلَكٌ؛ لِما يرَونه يصنع، وسعد يقول: “الضبر ضبر البلقاء (الضبر: قفز الفرس)، والطعن طعن أبي مِحجَن، وأبو محجن في القيد!”، فلما هُزم العدو، رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، وأخبرت ابنة خصفة سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: “لا والله، لا أضرب بعد اليوم رجلاً أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم”، فخلى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام عليَّ الحد وأُطَهَّر منها، فأما إذا بهرجتني (رفعت من قدري)، فلا والله لا أشربها أبدًا”.
لم يترك أبو محجن الخمر رغم أنه جُلد 80 جلدة سبع مرات، وإنما تركها حين بلغته كلمة سعد أنه لن يقيم الحد على رجل أبلى هذا البلاء في نصرة الدين، وهذا الموقف لأبي محجن يحتاج لوقفة ومحاولة فهم؟!!.
يتساءل البعض مثلا، لماذا استمر العشرة المبشرون بالجنة في تضحياتهم للدين، بل ازدادت، رغم أن الرسول بشرهم بالجنة؟، وهو نفس السؤال الذي سألته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها للرسول صلى الله عليه وسلم حين رأته يقوم الليل كل يوم حتى تتفطر قدماه (تتصدع وتتشقق)، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر… فكان جوابه عليه الصلاة والسلام: (أفلا أكون عبداً شكورا).
وهذا ما أظنه الدافع وراء استمرار الصحابة لطاعة الله، بل وارتفاع وتيرة الطاعة عندهم رغم ضمان الجنة، تعبير عن شكرهم لله وامتنانهم له بأن أكرمهم ورفع درجاتهم وقدمهم على كثير من خلقه، فلم يجدوا إلا الزيادة في الطاعة ليعبروا من خلالها عن هذا الشكر. لم يكن شعارهم (من أمن العقاب أساء الأدب)، وهذا حال الأحرار الكرام لا يغلبهم السوط ولا السلطان ولا التهديد أو الوعيد، وإنما يغلبهم ويخجلهم ويحرجهم الكرم والرحمة…. تخلّقوا بخلق الله الذي يعطي باللين ما لا يعطي بالعنف. وما أصدق حكيم الشعراء المتنبي حين قال:
اذا انت اكرمت الكريم ملكته وان انت اكرمت اللئيم تمردا
وكي نكون دقيقين، ليس كل البشر من طينة أبي محجن والعشرة الكرام وغيرهم الكثير من الصالحين…، وإنما في السواد الأعظم من الناس يلزمهم بالحق والخير والقانون أو يمنعهم عن الشر والأذى والمنكر السوط والسلطان، ولهذا قال عمر أو عثمان رضي الله عنهما على اختلاف الروايات: (ان الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقران)، أي أن هنالك قطاعا كبيرا من الناس يمنعهم من ارتكاب الجرائم خوفهم من عقوبة الحاكم أكثر من تأثرهم بكلام الله جل في علاه، ولهذا كان منهج الدين العظيم الجمع بين الأمرين، الوعظ والارشاد والتربية بوحي السماء، والسلطان القائم على إقامة الحدود وإلزام الناس بها رضاً أو قهرا، وذلك الكمال الذي لم يجتمع لأي فكر أو منهج أو شرع…
وقد شخص المرض والعلاج مؤسس علم الاجتماع، العالم العَلم ابن خلدون رحمه الله حين قال في تحفته الفذة المقدمة “ان العرب امة وحشية تأنف النظام والخضوع ولا يؤدبها إلا الدين أو سوط السلطان”، وإن كنت أظن أن ابن خلدون لم يكن دقيقا حين قصر الأمر على العرب، لأن هذا هو شأن الخلق جميعا، عربهم وعجمهم، إلا أن التشخيص دقيق في مجمله.
وهنا أخطأت الكثير من تجارب الإسلاميين السياسية حين اعتقدوا وتصرفوا بناء على الاعتقاد، أن الناس كلهم كرام تملكهم بالكرم وتحرجهم بالاحترام ويقدرون الصالح والصلاح….، وترى معظم أبناء وقيادات المشروع الإسلامي يضعون أيديهم على رؤوسهم وقد ارتفعت حواجبهم حتى تجاوزت نواصيهم استغرابا من إساءة الناس لهم رغم الخير الكثير الذي يقدمونه للناس، وسهرهم على خدمتهم وإخلاصهم الشديد في ذلك بما لا يجاريهم فيها احد . يرون الناس يستهينون بهم ويقدمون عليهم الرويبضة والتافه والسارق وغير الأمين …..، بل يستهينون في دمائهم….
إن ما لا يدركه أبناء هذا المشروع الكرام أن المشكلة ليست في الناس، وإنما في من يغفل اختلاف طبائعهم ويحسن الظن بمن لا يستحق، فليس كل الناس كأبي محجن، وفي الناس لئام للأسف، يفسرون اللطف والحلم والرحمة والأخلاق العالية ضعفا. وقديما قالها عمر: (لست بالخب (الخبيث المخادع) ولا الخب يخدعني)، أو كما ورد بالأثر: (المؤمن كيس فطن).