من عيد الأضحى نتعلم…

ما أحوج الأمة في هذه الأيام، وفي هذا اليوم العظيم يوم الأضحى أن تتعلم – درس التضحية والفداء – من خليل الله إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فسيدنا إبراهيم عليه السلام قد قدم للبشرية كلها أغلى وأعلى دروس التضحية والفداء.

فتعالوا بنا اليوم لنتعلم من خليل الله إبراهيم خلق التضحية لأن اليوم هو يوم التضحية، فها هو إبراهيم عليه السلام يتضرع إلى الله جل وعلا أن يرزقه ولداً صالحاً ليعينه في هذه الحياة، فقال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [الصافات: 100].

واستجاب الله جل وعلا دعاء خليله إبراهيم، فبشره بغلام حليم: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 101] لم يكد إبراهيم عليه السلام يأنس بولده ويسعد بصباه ويفرح بسعيه معه، إلا ويفاجأ إبراهيم بالابتلاء العظيم؛ إنه يرى أنه يذبح ولده في المنام بيديه! ورؤيا الأنبياء وحي.

هل تتصورون هذه اللحظات أب مرت عليه السنوات الطويلة ولم يرزق بذرية ثم يدعو ربه فيرزقه الله بولد وليس أي ولد إنما بغلام حليم ثم يؤمر بعد ذلك بذبحه كيف يكون حاله؟ كيف يكون موقفه؟

لكن خليل الرحمن عليه السلام يقوم لينفذ أمر ربه جل وعلا بهذا الغلام البار الحليم، ويقول له: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ [الصافات: 102]، فيرد الغلام البار: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات: 102].

إنها التضحية، التضحية بماذا؟ التضحية بالابن الوحيد الذي طالما تطلع إليه إبراهيم عليه السلام، إنه الابتلاء الذي لا مثيل له في تاريخ البشر، إنها التضحية التي تعجز عقول البشر أن تتصورها مجرد تصور فحسب،…وانطلق إبراهيم للتنفيذ فعلاً: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ [الصافات: 103] وهنا نادى الله جل وعلا على إبراهيم: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الصافات: 105-109]. سلام على خليل الرحمن سيدنا إبراهيم الذي علم الدنيا خلق التضحية في سبيل الله.

فأين مسلم اليوم من خلق التضحية؟ ما هو دوره من التضحية؟ ماذا بذل وقدم من تضحية لدينه وعقيدته؟ نعم نحن نضحي من أجل المال، ونضحي من أجل الوظيفة، ونضحي من أجل الزوجة والأولاد، ونضحي من أجل العشيرة، ونضحي من أجل الكرسي، لكن القليل منا من يضحي من أجل دينه وعقيدته!

إن التضحية أيها المسلم هي أساس عزة الأمة، ولذلك سلفنا الصالح ضحوا بالغالي والرخيص والدم والنفيس لوجه الله جل وعلا، تحمَّلوا الجوع والعطش والبرد والأذى لخدمة هذا الدين، صبروا على الامتحان، وآثروا العقيدة على نعيم الدنيا، تركوا أموالهم وعشيرتهم وأوطانهم، ضحوا بالمصالح، وأواصر القربى والعلاقات والروابط، ضحوا بعلاقاتهم مع آبائهم وأبنائهم، وإخوانهم وأخواتهم وعشيرتهم في سبيل مرضاة الله جل وعلا، وفي سبيل إعلاء دينه، ورفعة كلمته.