عملت معه فعرفت سر إنسانيته

إسماعيل إبراهيم

لم تغير الشهرة العالمية والمكانة العالية الشيخَ يوسف القرضاوي رحمه الله، بل ظل كما هو، يكرم الإنسان من حيث هو إنسان بإكرام الله تعالى له، بغض النظر عن مكانته أو وظيفته أو شهرته، بل يراعي نفسية من أمامه، ويدخل السرور عليه ما استطاع، ويرفع الحرج عنه إن وجد، ويلبي طلبه إن كان في إمكانه، وإن هو طلب من أحد شيئا حتى ولو كان دونه تلطف في الطلب، وإن أدى له أحد خدمة حرص على شكره وبالغ، وإن عاتب عاتب بلطف، وإن أحس بحزن أحد أو وجده طيب خاطره، يشارك في الأفراح، ويواسي في الأحزان والمصائب، رغم اعتلال الصحة وكبر السن وكثرة الأشغال.

ومما أذكره في ذلك أن الشيخ رحمه الله أنيق في ملبسه وفي ومظهره، يحب التطيب، لا سيما عند الخروج والسفر وخطبة الجمعة وإجراء مقابلة أو لقاء، يضع من أنواع العطر أطيبها مما يشتريه أو يهدى إليه، وله ذوق خاص فيه، فليس كل ما يهدى إليه يستخدمه حتى ولو كان فاخرا. وسافر سائقه الهندي المسلم من مقاطعة كيرلا الأخ شاكر لقضاء إجازته السنوية، ثم عاد وقد أحضر معه زجاجة عطر هدية للشيخ، وركبت مع الشيخ رحمه الله السيارة يقودها شاكر، وإذا بالشيخ رحمه الله يشكره ويبالغ في شكره على زجاجة العطر التي أهداها له. ولا تتخيل حجم الفرح والسرور الذي ظهر على وجه شاكر حين شكره الشيخ رحمه الله، حتى إنه بعد انصراف الشيخ رحمه الله قال: يبدو أن العطر أعجب الشيخ، إن شاء الله في المرة القادمة سأحضر له زجاجتين.

كان الشيخ القرضاوي رحمه الله يتكلم في خطبة الجمعة عن حرمة النفس البشرية، وكيف أن الطغاة يقتلون شعوبهم بعشرات الآلاف كأنهم قطط أو كلاب، ثم استدرك بأنه حتى القطط والكلاب لا ينبغي أن تقتل

ومما أذكره كذلك أن الشيخ رحمه الله في خطبة الجمعة كان يتكلم عن حرمة النفس البشرية، وكيف أن الطغاة يقتلون شعوبهم بعشرات الآلاف كأنهم قطط أو كلاب، ثم استدرك بأنه حتى القطط والكلاب لا ينبغي أن تقتل، وذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “لولا أن الكلاب أمة لأمرت بقتلها”. وهنا استشهد الشيخ بفعل سائقه، وكيف أنه تفادى قطة تعبر الطريق بحركة مفاجئة بالسيارة، وهي تسير بسرعة كبيرة، حتى كادت عجلة القيادة تختل منه. وهذا ما أملته الفطرة النقية لسائق بسيط أن يتحرج من قتل قطة خطأ، بينما المستبدون يقتلون مئات الآلاف من غير أن ترمش لهم عين.

ومما يحضرني أيضا أن الشيخ رحمه الله أجرى لقاء مسجلا لإحدى برامج قناة الجزيرة في بيته ومكتبته، وكان فريق التصوير والمونتاج كبيرا، وكنوع من الشكر لجهودهم حتى ولو كانوا يقومون بوظيفتهم، أقام الشيخ مأدبة غداء لفريق البرنامج، من مقدم البرنامج إلى أصغر عامل مشارك في التسجيل، وفعلا حضر الجميع، وبعد أن انتهينا من الطعام أو كدنا، وصل أحد العمال البسطاء متأخرا، فما كان من الشيخ إلا أن أجلسه بقربه، وظل يقرب له الطعام ويكرمه، وأبى أن يقوم إلا أن ينتهي من طعامه. في موقف يعكس تواضع الشيخ ورقيه وكرمه في آن واحد.

لتلبية دعوة مجمع الفقة بالسودان، اشترط القرضاوي أن يتم الإفراج عن الدكتور حسن الترابي قبل مجيئه، فلا يليق أن يحضر للسودان ويقابل الرئيس والترابي في السجن

ومن المواقف التي يجدر ذكرها في هذا المقام، موقف العتاب، وقد دعي الشيخ على ما أذكر لحضور مجمع الفقه بالسودان، وقد دعاه رئيسه الدكتور عصام البشير حفظه الله، ولا أدري هل كانت دعوة كبار الشخصيات موجهة من الرئاسة، أم كان منصوصا فيها حضور الرئيس عمر البشير. وقد تزامنت الدعوة أو أعقبت نبأ اعتقال الدكتور حسن الترابي رحمه الله، لم يكن لدى الشيخ مانع من الحضور، غير أنه اشترط أن يتم الإفراج عن الدكتور الترابي قبل مجيئه، فلا يليق أن يحضر للسودان ويقابل الرئيس، والدكتور الترابي في السجن.

وجرت المهاتفات بين أخذ ورد، ونُقلت رغبة الشيخ للرئاسة، وجاء رد بأنهم سينظرون في الموضوع، مع تأكيد على أهمية حضور الشيخ، وربما أجرى الشيخ حينها مكالمة مع نائب الرئيس. ولم يجد طلب الشيخ سبيلا للتحقيق، فما كان من الشيخ إلا أن رفض الحضور.

سرّب صحفي زار الشيخ خبرا عن مساع الشيخ القرضاوي لإطلاق سراح الدكتور حسن الترابي، فما كان من الصحفي إلا أن اعتذر وبالغ في الاعتذار، وقبل الشيخ، وما تغيرت معاملته له فيما بعد، بل كان يعامله وكأن هذا الموقف لم يحدث من الأساس

وقد حدث شيء من هذه المهاتفات بعد صلاة الظهر، أو ذكر الشيخ طرفا من الموضوع وكان من بين الحضور أحد الإخوة الصحفيين في إحدى الصحف العربية، أتى لصلاة الظهر معنا والسلام على الشيخ رحمه الله، وإذا بشهيته الصحفية تغلب الأصول المرعية، وفوجئ الشيخ بنشر الخبر في الصحف، الأمر الذي سبب حرجا للجميع، للدكتور البشير والشيخ القرضاوي والسودان، وربما كان له دور في تعطيل المساعي. وقد وجد الشيخ من سلوك أخينا الصحفي هذا، ولا أدري هل طلبه أم جاء هو يزورنا ويصلي معنا كالعادة بين الحين والحين. توقعنا أن يكون غضب الشيخ كبيرا على الأخ، أو يعاتبه عتابا طويلا.

وبعد الصلاة تكلَّم الشيخ بكل هدوء وذكر ما حصل بكل هدوء، لم يثر أو يغضب أو ينفعل، ولم يزد في عتابه للأخ إلا أن قال: أنا أشكو لكم الأخ فلانا. فما كان من الصحفي إلا أن اعتذر وبالغ في الاعتذار، وقبل الشيخ، وما تغيرت معاملته له فيما بعد، بل كان يعامله وكأن هذا الموقف لم يحدث من الأساس.

أسأل الله أن يكرم شيخنا الشيخ القرضاوي بكرمه كما كان يكرمنا، وأن يرفع مقامه ويرحمه ويتقبله في عباده، الذين رضي عنهم، ويرضى عنه، ويغفر له، ويجزيه عن الأمة خير ما يجزي العلماء العاملين والعباد الصالحين، ويجمعنا به في الفردوس الأعلى.. آمين.

إسماعيل إبراهيمي
باحث شرعي