عادت تعانق أطفالها.. الإفراج عن الأسيرة الفلسطينية إيناس العصافرة

الخليل – لم يكن للشابة الفلسطينية إيناس العصافرة تهمة حتى يقودها جيش الاحتلال الإسرائيلية مكبلة وتمضي في سجونه نحو عامين ونصف العام سوى أنها زوجة رجل اختار أن يقاوم الاحتلال بطريقته.

كان الوقت فجر 10 أغسطس/آب 2019 عندما داهمت قوة إسرائيلية قرية بيت كاحل (جنوبي الضفة الغربية)، وفجرت باب منزل قاسم العصافرة وباغتته في غرفة نومه.

بعد وقت قصير على اعتقال الزوج قاسم عادت القوة العسكرية إلى منزله لتطلب من زوجته مرافقتها على عجل إلى مكان الزوج بذريعة رؤيته قبل المغادرة.

خروج بلا عودة
لم تعد إيناس إلى منزلها في تلك الليلة، بل جرى تقييد يديها إلى الأمام، وتعصيب عينيها واعتقالها، تاركة طفليها عبد الرحمن (عامان ونصف) ومحمد (5 أعوام).

استمرت القيود في معصمي إيناس زهاء 5 ساعات إلى حين وصولها لمركز التحقيق في سجن عسقلان (وسط إسرائيل)، وهناك مكثت 13 يوما في العزل الانفرادي.

خضعت إيناس -وفق حديثها لمراسل الجزيرة نت- للتحقيق والضغط النفسي، ليس لشيء سوى أنها “زوجة فلسطيني اتهم بقتل مستوطن”، معتبرة أن اعتقالها “جاء عقوبة لزوجها وللضغط عليه خلال التحقيق ليعترف بالتهمة المنسوبة إليه”.

تقول الأسيرة المفرج عنها إن المحققين هددوها “قالوا لي: لن تعودي لأطفالك، سنهدم بيتك وسنحكم عليك بالسجن المؤبد، وزوجك لن يخرج من السجن”.

قمع وتنكيل
انتهت فترة التحقيق، ونقلت إيناس إلى سجن “الدامون” (شمالي إسرائيل) حيث عشرات الأسيرات، وهناك عاشت معهن أقسى وأصعب أيام حياتها، بين جدران وأسلاك شائكة وانقطاع تام عن الأهل والعالم الخارجي.

تقول إيناس إنها عايشت 3 عمليات قمع نفذتها قوات تتبع إدارة السجون، وفي كل مرة كان يدخل أفراد القوة مدججين بالسلاح والغاز ويجرون تفتيشات دقيقة لمقتنيات الأسيرات ويسحبوهن بعنف.

رغم مرارة “القمعة” في عرف المعتقلين -وهي عملية الاقتحام والتنكيل- لم يكن يشغل بال إيناس شيء أكثر من طفليها اللذين تركتهما خلفها، وإن كانت جدّتاهما وأعمامهما وأخوالهما بمثابة الأبوين.

“قلبي كان معهم” تقول إيناس، وتضيف أنها كلما ذهبت بعيدا في التفكير فيهما كانت تخرج صورهما لتلقي نظرة وتقبّلها، ثم تفوض أمرها لله وتعود لتبادل أطراف الحديث مع زميلات الأسر حول كيفية تعويض الطفلين عن فترة غيابها دون ذنب.

صحيح أن الصور كانت بمثابة المؤنس للأسيرة المفرج عنها وغيرها من الأسيرات لكنها قديمة، فسلطات الاحتلال منعت زيارتها طوال العامين الأخيرين لتجد طفليها وقد خرجت من السجن أكبر وأكثر وعيا مما في مخيلتها وفي الصور التي بحوزتها.

فرحة اللقاء
أفرجت سلطات الاحتلال عن إيناس (25 عاما) مساء أول أمس الأحد على حاجز “الجلمة العسكري” الإسرائيلي شمال مدينة جنين (شمالي الضفة الغربية)، واستغرق وصولها إلى جنوبي الضفة الغربية حيث منزلها ببلدة بيت كاحل (شمالي الخليل) أكثر من 5 ساعات.

وأمضت إيناس في الأسر 30 شهرا، معظمها في سجن الدامون (شمالي إسرائيل) تاركة خلفها 31 فلسطينية أسيرات لإجراءات القمع والعقوبات الإسرائيلية.

ووثقت عدسات الصحفيين مسارعة إيناس فور الإفراج عنها إلى احتضان طفليها محمد وعبد الرحمن على وقع زغاريد أطلقتها قريباتها.

ونقلت الأسيرة المفرج عنها عن الأسيرات مطالبتهن بإعادة الكانتينا (متجر السجن) حيث يشترين احتياجاتهن، وتركيب هاتف عمومي يمكنهن من التواصل مع عائلاتهن.

فخورة بزوجها
تبدي إيناس فخرها الكبير بزوجها قاسم، وتقول إنها واثقة بأنه سيرى النور قريبا ولن يمضي فترة الحكم التي صدرت بحقه.

وتقول الزوجة إنها تتطلع “إلى صفقة وفاء الأحرار 2، ومتفائلة بإبرامها قريبا”، في إشارة إلى قطاع غزة حيث تحتجز حركة “حماس” 4 إسرائيليين، وتجري مفاوضات -لا يكشف عن تفاصليها- لإبرام صفقة لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين.

وكان من المقرر الإفراج عن إيناس يوم الخميس الماضي، لكن سلطات الاحتلال أجلت الإفراج، وفي اليوم ذاته صدر حكم بالمؤبد على زوجها، بالإضافة إلى 40 عاما، وغرامة مالية بمبلغ 1.56 مليون شيكل (نحو نصف مليون دولار).

كما أصدرت المحكمة ذاتها حكما مماثلا على شريكه الأسير نصير صالح عصافرة، فيما ينتظر الأسيران أحمد عارف عصافرة ويوسف سعيد زهور من نفس البلدة حكما بالسجن.

هدم البيت
ليس غياب الزوج فقط ما ينغص به الاحتلال فرحة الإفراج عن إيناس، بل سبق أن هدم منزلها، لكن ما يخفف وجعها “الثقة العالية بالله وأنه لن يتركنا” كما تقول.

وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول 2019 هدم جيش الاحتلال الإسرائيلي 4 منازل تعود لـ4 أسرى متهمين بالمشاركة في العملية ذاتها، بينها منزل عائلة إيناس.

ووفق مكتب إعلام الأسرى المحسوب على حركة “حماس”، فإن “قاسم عصافرة و3 معه متهمون بقتل المستوطن دفير سوريك قرب مستوطنة مجدال عوز (جنوب بيت لحم) طعنا بداية أغسطس/آب 2019”.

جدتان مكان الأم والأب
طوال فترة اعتقال إيناس يشير شقيقها معتز عصافرة إلى أن رعاية طفليها كانت من نصيب جدتيهما رغم ما رافق ذلك من مشقة وصعوبة ناتجة عن غياب الأم.

وقال معتز للجزيرة نت إن أصعب موقف كان بالنسبة للجدتين هو الإجابة عن سؤال: متى ترجع ماما؟ إضافة إلى التحاق محمد بالمدرسة وحاجته للمتابعة.

وأضاف أن عائلة إيناس لم يسمح لها بزيارتها أو زيارة زوجها في سجن ريمون (جنوبي إسرائيل)، سوى في الشهور الأولى للاعتقال قبل عامين.

المصدر : الجزيرة