صفاء المهتدين

خالد حمدي

من أروع المشاهد تأثيرا في نفسي، وهزا لها… صفاء
المهتدين الجدد..
دمعات أعينهم، إقبال نفوسهم، اندفاعهم نحو ربهم..
كأنهم يريدون تعويض سنوات التقصير، وكل ما كان من تأخير..
يذكرونني دائما بصفاء الابتداء الذي عشناه أول التزامنا، حيث طفولة الهداية، ورقة القلب، وحداثة العهد بالدرب..
ثم كان ما كان من قساوة في القلب، وغلظة في الطبع..
نحن نتغير دون أن ندري..
لكننا لا نلتفت إلى تغيرنا حتى نصل إلى غاية السوء ثم ننتبه، هذا إن انتبهنا أصلا..
مع أننا نلتفت للتغير الطفيف في أحوال السيارات والهواتف وربما الأثاث والجدران… لكننا بطاءُ الملاحظة في تشققات النفس وتصدعات القلب… رغم أنها تفسد وتخرب أسرع مما عندنا من ممتلكات..
أخرج مسلم في صحيحه أن ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ:( مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ:( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ ). إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ ).
سبحان الله!!
أربع سنوات ثم عوتبوا، فكيف بمن يقيم على حال فاسدة أضعاف هذا العدد من السنين دون أن يلتفت للسان الذي بدأ يكذب، وللنفس التي ملأها التعاظم، ولجميع خُلُقه الذي اعتراه الشين في كل شيء!!
نحن نتغير يا سادة، وهذه -لا ريب- سنة الحياة، لكن المخيف أن نتغير حتى نفسد ولا ننتبه.
في الحديث المرسل أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه” لَمَّا قَدِمَ أَهْلُ الْيَمَنِ وَسَمِعُوا الْقُرْآنَ جَعَلُوا يَبْكُونَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَكَذَا كُنَّا ثُمَّ قَسَتِ الْقُلُوبُ ”
وهذا المتهم لنفسه بالقسوة كان ألين الناس قلبا حتى مات، فكيف بنا؟!!
رأيت أصحابا لي كانوا ملائكة يمشون على الأرض، ثم غيبتنا أقدار الله عنهم زمنا حتى رأيتهم على حال موجعة من سوء الخُلُق، ورداءة السمت فارتعد قلبي، واغتمت نفسي، -وإن كنت لا أبرئها مما رأيتهم عليه-
أيقنت أن النفوس تصدأ ما لم تُجْل كل حين، ولو كانت نفوس الصحابة..
وأن قِدم العهد بالهداية لا يشفع لصاحبها ما لم يكن وراءه حال مع الله، وأي حال.
فالإيمان والأخلاق ودائع الله عند من اختارهم، فإن صانوها وزكوها وإلا فغيرهم أولى بها منهم..
فارصدوا تغير أنفسكم يا إخوتي، وعودوا ما استطعتم لصفائكم الأول، وأوقفوا هذا اللهاث الذي أتعب الصدر، ولم يشبع النفس..
وانظروا في مرايا الباطن لتعلموا كم الهزال الذي أحدثتموه فيه
فالدنيا كلها لا تساوي لحظة من ربيع القلب الذي كنا نحياه، فكيف لو كانت شهورا، بل سنوات.
واشوقاه إلى صفاء الابتداء.