شق ذلك، فالعبرة عندنا بما تقدمه قياسا بما تستطيعه

أقول للساخرين من جدوى المظاهرات والوقفات والانفعالات المختلفة في مواقع التواصل أو على أرض الواقع ..

نحن كمسلمين لا نتعامل بميزان الصادرات والواردات وعقلية معاملات الكاش و الفيفتي فيفتي ، لأننا إذا ربطنا أنفسنا بالحساب الرياضي ومقياس الربح والخسارة لن نفعل ولن نقول شيئا لأن كثيرا من عباداتنا القولية والفعلية مبنية على التسليم والالتزام المطلق دون مقابل ملموس.

لولا ذلك ما كانت في ديننا قاعدة ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) فهل تغني التمرة الكاملة أو تسمن من جوع حتى يفعل الشق ذلك، فالعبرة عندنا بما تقدمه قياسا بما تستطيعه ، وما تبذله مقابل ما تملكه ، لا بما يستطيعه أو يملكه غيرك .

لذلك قد يرجح الدينار الواحد يتصدق به صاحب الدينارين على الألف التي يتصدق بها صاحب المليار، وهذا ينسحب على المواقف والكلمات والأعمال ، فكل واحد من الناس لديه جيبه وحيزه ومحيطه الخاص وما يسعه تقديمه وفعله قياسا بحيثياته الخاصة التي قد لا يدركها غيره ..

لهذا لم يشترط ديننا تحقق نتائج لقبوله فحمزة سيد الشهداء رغم أنه لم يشهد النصر ولم يشارك في فتح مكة ولم يكسر الأصنام، وبالتالي فأنت مطالب في كثير من الأحيان بالعمل والقول لذاته لا لما سيترتب عنه من جدوى ونتائج ..

فنحن مأمورون في ديننا بأن نغرس ما بأيدينا وما بألسنتنا وأقلامنا تعبدا لله وإبراء للذمة وإن لم ينبت شيء من ذلك، تحت قاعدة ( إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها ).

فلا يمكننا بالفهم الرياضي المادي الجاف أن نتفهم منطقية هذا السلوك وجدواه لأنه ببساطة يتجاوز الأسباب والنتائج إلى رب الأسباب والنتائج.

لذلك كان جواب أهل الفسيلة في القرآن على المعترضين عليهم لعدم نفع وفائدة ما يقومون به من موعظة واجتهادات أن قالوا لهم : ( مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ ) الأعراف 164 ..

أي أن غاية القوم الأولى لم تكن ما سيتحقق وينتج عن اجتهاداتهم ، بل أن يعتذروا لأنفسهم عند الله وليقيموا الحجة على الناس ، بأن يقولوا يا ربنا بذلنا الدينار الذي بحوزتنا وجهرنا بالرسالة التي في صدورنا وتحركنا قدر استطاعتنا وأنت يا ربنا لا تكلف نفسا إلا وسعها.

ثم لعل وعسى وقد ومن يدري وربما يفتح الله بهم العقول والقلوب فيكونون سببا ، فإذا لم يكن ذلك ، كانوا معذورين قاموا بما عليهم فعله وانقلبوا وأعينهم تفيض من الدمع أن لم يجدوا ما ينفقون.

فيا أهل الفسيلة في زمننا الصعب لا تستهينوا بشق التمرة وشق الكلمة وشق الوقفة وشق الصرخة وشق الجلسة وشق المحاضرة وشق الحصالة وشق الدعاء.

معذرة إلى ربكم ولعلنا ولعلهم.

بقلم: حسام الدين السنوسي