سيكتب التاريخ

ما أجمل أن نستحضر التاريخ ليؤنسنا في أحلك ظروفنا. ما أجمل أن نستعين بالتاريخ لنعبر به ومعه مفاوز وصعاب زماننا. ما أجمل أن نستقوي بالتاريخ منه نستلهم المواقف، بها ننتصر بل نهزم حاضرنا السيء والأليم.

إنه التاريخ الذي ما أن نقلّب صفحاته وإذا به يحدثنا عن أمم وحضارات بلغت من القوة عتيا و بعد ذلك أصبحت مضرب الأمثال {ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد } آية 6-8 سورة الفجر. وإنه التاريخ الذي يحدثنا عن امبراطوريات قد عمّرت لأكثر من خمسة آلاف سنة كالدولة الساسانية الفارسية، ثم ما لبثت أن انطفأت نارها وغربت شمسها. وإنه التاريخ الذي يحدثنا عن دولة الإسلام العظيمة، كان خليفتها يخاطب الغمام أن ينزل في بغداد وإلا فإنه يتحداه أن ينزل حيث ما يشاء، فإن خيره ونفعه سيعود إلى بغداد. وإنه التاريخ يحدثنا عن امبراطورية انجلترا التي ما كانت الشمس تغيب عن ملكها وعن الاتحاد سوفييتي العظيم، وما أكثر الأمثلة في جعبة التاريخ وملفاته لو أننا قرأناها.

وإنه التاريخ يحدثنا عن مدينه القدس وقد ولدت وبنيت قبل خمسة آلاف سنة. وإنها القدس العربية المنشأ والمولد. إنها القدس التي عبر منها واعتدى على حريتها ظهرها أكثر من سبعة عشر احتلالًا على مدى تاريخها، وقد مرت من أرض القدس الاحتلال الفرعوني والاحتلال البابلي والاحتلال الفارسي والاحتلال الاغريقي والاحتلال الروماني، الاحتلال الصليبي والاحتلال المغولي وغيرهم كثير. وإنهم جميعًا ما لبثوا ورحلوا عن القدس وبقيت هي حيث أراد الله لها أن تكون، لأن القدس ما يزال لها الدور الذي يشرف كل ما قامت به من أدوار. انها القدس التي ستكون عاصمة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة. إنها التي سيصلي فيها المسيح عليه السلام، حال نزوله من السماء مأمومًا بخليفة المسلمين المهدي. إنها والتي قريبا منها ستُدَقّ عنق المسيح الدجال.

كما رحل كل أولئك المحتلين الغرباء وكما أصبح الحديث عنهم ليس إلا بلغة الماضي فلن يكون الاحتلال الإسرائيلي للقدس طرازًا فريدًا ولا احتلالًا ليس له مثيل. إنه الاحتلال الأخير وإنه الاحتلال الأقصر، وإنه الاحتلال الذي سينضم الى قائمة الاحتلالات التي مرت في القدس ورحلت.

نعم سيكتب التاريخ يومًا قريبًا أنه كان في القدس احتلال اسمه الاحتلال الإسرائيلي.

إنه الفارق الكبير بين من يقرأ الأحداث بلغة الأرقام ولغة المحللين والكتّاب السياسيين، وبين من يقرأها بنفس اللغة ولكن يضيف إليها لغة السماء والنصوص الشرعية، ويراها بمنطق الايمان ويقيّمها وفق منطق التاريخ كذلك.

إن من يقرأ الأحداث تجري من حولنا بلغة المحللين والكتّاب فإنه لن يرى إلا سوادًا يلفه سواد، وبالتالي فإنه أقرب إلى اليأس والإحباط والقنوط، واستحالة أن يتغير هذا الحال.

وأما من يقرأ الأحداث بلغة النصوص الدينية ويفهمها بمنطق الإيمان ويراها بعين التاريخ الثاقبة، فإنه سيكون أقرب إلى الأمل والتفاؤل، بل إنه يصل إلى اليقين بأن دوام الحال من المحال وأننا في ساعات الليل التي تسبق الفجر، وأننا إلى الفرج أقرب بإذن الله تعالى.

صحيح أنها سهام غادرة كثيرة مصوبة إلينا، وأنها خناجر صدئة كثيرة تدق صدورنا، وصحيح أننا نواجه أعداءً غارقون بالحقد والكراهيه واننا ابتلينا بعملاء غارقون بالعمالة حتى فوق آذانهم، وصحيح أن خيبتنا ببعض العلماء وصلت بالبعض أن يصنفهم ويضعهم في خانة علماء السوء وعلماء السلاطين بل العلماء المنافقين الذين يبيعون دينهم بعرض من الدنيا.

لكن هذه السهام كلها مجتمعة قد صوبت إلينا في يوم من الأيام و أكثر من مرة، وأنها السهام التي تكسرت وتحطمت على صلابة عقيدة الأمة، وصبر وصدق أبنائها، فلطالما رمانا بسهام الكيد والغدر الصليبيون والتتار وحتى عملاؤهم من الفاطميين والفرق المنحرفة، بل وعملاؤهم من خلفاء وأمراء طاب لهم العيش تحت أقدام الغريب، ولذّ لهم ما كانوا يجمعونه ويتلقونه من فتات موائده.

نعم لقد تجاوزنا كل تلك الظروف، وكان الإسلام في كل مرة يقف وينهض مثل عنقاء الرماد ومثل المارد الذي يفر الأقزام من أمامه، يملأ قلوبهم الرعب من هول ما يروا من عظيم بأسه وقوته.

يا من تطاول على الإسلام و يا من عاداه و يا من خانه، تعلمون أن الاسلام قد قام، وأنه قد نهض وأنه ينادي فى الكون، أنا لم أمت، إنكم تعلمون أن الذي نام قد استيقظ، وأن الذي كبا قد نهض، وأن الذي مرض قد تعافى. وأنه غبي من كان يعتقد أن الإسلام قد مات وشيّع الى مثواه الأخير.

أيها المتشائمون أيها المحبطون أيها المثقلون باليأس،انفضوا عنكم غبار التشاؤم، واخلعوا عن عيونكم النظارة السوداء، وانزعوا عباءة اليأس التي تلفعتم بها، وانظروا إلى المستقبل نظرة الأمل، واعلموا بل كونوا على يقين أننا قاب قوسين أو أدنى من الفرج والنصر والفتح المبين، وإن غدًا لناظره قريب.

رحم الله قارئا دعا لنفسه لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون