سيجار نتنياهو و يخت ابن سلمان

من جريدة #المشكاة الجمعية المحمدية الطيبة فلسطين 48

بقلم الاستاذ محمد جابر

وجود الفساد والفاسد وتقبل الفساد والفاسد أمران مختلفان، فلا يخلو مجتمع من المجتمعات الانسانية من فساد أو مفسد، ولكن الفرق الجوهري بين مجتمع صحيح سليم ومجتمع سقيم مريض، هو في تقبل الفساد أو الفاسد أو عدم تقبله، فضلا عن وضعه في رأس سلم المجتمع وتقديم تحية الصباح والمساء له، وترسيخ مفهوم أن الحياة لا تتم إلا بذلك، “وان كان لك عند…. حاجة قُلّو يا سيدي”… ، بل قد تكون علة تفضيله واختياره بأنه فاسد يمكن من خلاله أن يحقق لنا أهدافنا الفاسدة، وقد يكون سبب رفض آخر عفته وطهارة كفه وذلك على منهج قوم لوط (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ).
إن مقياس سلامة أي أمة أو مجتمع أو مؤسسة ليس وجود الفساد أو المفسد، ففي الناس الضعيف والمريض أمام مغريات الدنيا والسيء….، ولكن مقياس السلامة يتمثل في أمرين أساسيين: وجود آلية قوية وفاعلة لمحاربة الفاسد والمفسد وتتبعه وإيقاع العقوبة به من جهة، ورفض المجتمع لهذا الفاسد وإنكار فعله بل ونبذه اذا ثبت فعله. فهذان جناحان في كل جهاز أو مجموعة من البشر، إذا توفرا يمكن أن نقول أن هذه المجموعة سليمة صحيحة.
مقياس الضعف والقوة للجسم ليس المرض والصحة، وإنما مقياسه الحقيقي كيف يواجه المرض ويقاومه ويعيد ذاته إلى حالة الصحة. فالجسم السليم إذا تعرض لأي خطر أو سوء ينقض جهاز المناعة فيه على هذا الخطر الداهم فيرد كيده وإذا كان جسما غريبا لفظه على أحقر صورة، قياءً او…. .
وجود الفساد ليس مخيفا في ذاته بقدر ما يخيف إحجام الناس عن إنكاره والتسليم له، بل والرضى به .فعندما طُلب من أردوغان أن يعين سببا واحدا للنجاح الاقتصادي والإداري الذي تشهده تركيا، كان جوابه أن السر يكمن في محاربة الفساد، فلم يعملوا إلا على تطهير جهاز الدولة من بعض الفاسدين واستبدالهم بثقات، وإرسال رسالة واضحة للفاسدين الاخرين أو الذين عندهم نية الفساد أن عاقبة ذلك لن تكون خيرا عليهم، ونتيجة لذلك أصبحت الدولة ترى أموالا في خزينتها لم تكن تراها من قبل …..
سمعت الكثير في الآونة الأخيرة الشامتين بدولة الاحتلال لقضايا الفساد الشخصي والإداري التي ظهرت لشخصيات بارزة وفاعلة ومؤثرة وعلى رأسها نتنياهو، حتى أنني سمعت أحدهم يرى ذلك من علامات زوال هذا الكيان الغاصب مستشهدا بقوله عز وجل: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)، وتبقى أن ينادى كما ينادي ذلك الرجل اخر الزمان “يا معشر المسلمين قد كفاكم الله عدوكم”، وإني لا أريد أن أطفئ حماس بعض الاخوة المتواكلين، ولكني أظن للأسف أن هذه القضايا من علامة قوة هذه الدولة، فهي دولة تواجه مشاكلها وتعرفها وتعالجها وتصرح بذلك بثقة بدون اعتبار لشخص أو لرأي عام خارجي، بل العكس تماما، تفخر بذلك وترى به سببا من أسباب القوة ورسالة توجهها للقاصي والداني المفسد والذي عنده ميل للفساد، أنها لن تتسامح مع الفساد بكافة صوره حتى ولو كان هدية سيجار لا يتجاوز سعرها بضع مئات من الشواقل.
إن دولة الكيان الصهيوني لا تستحي بأن تقول بأنها مريضة أو يعتريها مرض، ولذلك وضعت لنفسها منظومة طبية حاضرة وقوية وفاعلة ومؤثرة ….، لا ترى عندها فرق بين رئيس وزراء وغفير كما يقولون، بل حتى أنها قد تتسامح مع زلة الغفير ولا تتسامح مع زلة الرئيس والوزير، وقائمة الذين سكنوا السجن من الرؤساء والوزراء طويلة تظهر مدى قوة هذا الجسم وصحته.
ولكن العيب كل العيب فيمن يرى بالمرض عيبا وسرا وأمنا قوميا، ونشرا للغسيل القذر أمام الأعداء، فاصبح الرئيس والملك يموت عن مليارات الدولارات من غير سائل من أين لك هذا، بالرغم من أننا أول أمة في الدنيا سألت زعيمها هذا السؤال في ثوب جديد لبسه. مات الملك عبد الله بن عبد العزيز حسب مجلة فوربس المتخصصة في هذا المجال عن ثروة تقدر ب- 18 مليار دولار، فهل كُلف أحدهم أن يسأله من أين لك هذا ؟؟؟ وهذا حال جميع دولنا العربية، يصل الحاكم شحاتا معروف من أباه وأمه، وهذا ليس عيبا، ويخرج منها ب (الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)، فتحت شعار محاربة الفساد خرج ابن سلمان فجمع مئات الأمراء الفاسدين والمفسدين وليس في ذلك شك، والسؤال البسيط هل سأل أحدهم طويل العمر من اين اشترى يخته بنصف مليار ونصف ؟!!! ……
إن الدول والمؤسسات والبلديات والشركات…. التي لن تقوم لها قائمة هي القائمة على الفساد والمفسدين ….، الذين لا يُسألوا عما يفعلون ويتصرفون بأموال الدولة كميراث شخصي ورثوه كابرا عن كابر ، وتجد من المقهورين المظلومين المطحونين الجائعين… الذين استمرأوا العبودية من يبرر لهم ولا ينكر عليهم ولا يجرؤ أحد في هذه المؤسسات على مراقبتهم أو محاسبتهم أو مساءلتهم، بل قد يعد من يسال من الخونة والعملاء…. .
إن عناصر ضعف دولة الكيان الصهيوني كثيرة، ومقومات الوجود ضعيفة جدا ولا مستقبل لها، والأمر ليس رجما بالغيب، ولكن الفساد ليس أحدها، لأنه للأسف، هذه الدولة العنصرية الغاصبة لا ترى بنتنياهو إلها أو نصف إله، ولا ترى بأنه يتفضل على شعبه وأن الشعب يعيش في خيره وتحت ظله، ولا تجد يهوديا واحدا يتساءل ماذا نفعل من بعدك يا نتنياهو او ان نساء بني صهيون عقمت ان تلد مثله، وإنما يرون به عاملا عندهم إذا أساء استُبدل وعوقِب على ذلك. وقد يستهجن البعض ما سأقول، ولكني أرى بذلك صلب العمل بحديث رسول صلى الله عليه وسلم: فعندما سرقت امرأة مخزومية فأرسلوا أسامة بن زيد يتوسط لها عند رسول الله، فقال له عليه الصلاة والسلام مقرعا: “أتشفع في حد من حدود الله”، ثم قام فاختطب فقال “أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”. فمن يرى بالسيجار جريمة أولى بالاحترام والتقدير بمن لا يرى اليخت وال…