وزير تونسي سابق: اتجاه بارز نحو “مصالحات تكتيكية” عربية وإقليمية (مقابلة)

وزير الخارجية التونسي السابق: العالم يعيش تحولات كبرى مع مخلفات أزمة “كورونا” والحرب الروسية الأوكرانية واشتداد المنافسة الدولية

وزير تونسي سابق: اتجاه بارز نحو "مصالحات تكتيكية" عربية وإقليمية (مقابلة)وزير تونسي سابق: اتجاه بارز نحو “مصالحات تكتيكية” عربية وإقليمية

إسطنبول / محمد شيخ يوسف – فاروق توقاد / الأناضول

** وزير الخارجية التونسي السابق رفيق عبد السلام في مقابلة مع الأناضول:
– العالم يعيش تحولات كبرى مع مخلفات أزمة “كورونا” والحرب الروسية الأوكرانية واشتداد المنافسة الدولية
– العلاقات العربية التركية ليست مثالية لكنها تتحسن.. ولا يمكن مواجهة تحديات المنطقة إلا بتعاون عربي تركي
– انعقاد القمة العربية شيء إيجابي.. أن تنعقد القمة أفضل من أن لا تنعقد بعد تأخر لمدة 3 سنوات
– القمة تجاهلت الخلافات العربية لأنه ليس بمقدور أي طرف حل المشاكل المزمنة التي تراكمت لسنوات
– ثمة تعثر ديمقراطي في العالم العربي لاعتبارات محلية وإقليمية ودولية.. عملية ارتداد سياسي واسع النطاق بعد ضرب الربيع العربي وتخريبه 

اعتبر وزير الخارجية التونسي السابق رفيق عبد السلام، أن القمة العربية الأخيرة بالجزائر في 1 و2 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري تجاهلت الخلافات بين الدول العربية، لأنها “مشاكل مزمنة”، وأفاد بوجود “اتجاه بارز” حاليا لإجراء مصالحات بينية عربية لاعتبارات “تكتيكية”.

وفي مقابلة مع وكالة الأناضول، شدد عبد السلام (2011 ـ 2013) على أنه لا يمكن مواجهة “التحديات والمخاطر” في المنطقة “إلا بتعاون عربي تركي” يصب في مصلحة الطرفين.

وتحدث عبد السلام، الذي تولى حقيبة الخارجية عقب ثورة تونس، للأناضول على هامش مشاركته في منتدى السياسة والآفاق الجديدة بالقرن الحادي والعشرين، الذي نظمه حزب العدالة والتنمية الحاكم بمدينة إسطنبول الأسبوع الماضي.

وقال عبد السلام إن “العالم يعيش تحولات كبرى مع مخلفات أزمة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية (مستمرة منذ 24 فبراير/ شباط الماضي) واشتداد المنافسة الدولية، حيث اجتمعت مجموعة من المعطيات لتغيير الساحة العالمية وميزان القوة العام، والوضع العربي تأثر بأقدار متفاوتة بذلك”.

وأكد أن “انعقاد القمة العربية شيء إيجابي على كل حال، فأن تنعقد أفضل من أن لا تنعقد بعد تأخر لمدة 3 سنوات تقريبا.. يقولون كان ذلك (عدم انعقاد القمة) بسبب أزمة كورونا، ولكن تقديرنا بسبب أزمة العلاقات البينية العربية”.

وصدر عن القمة العادية الحادية والثلاثين “إعلان الجزائر” الذي أكد رفض التدخلات الخارجية بالشؤون الداخلية للدول العربية، وتمسك بمبدأ الحلول العربية للمشاكل العربية عبر تقوية دور جامعة الدول العربية والعمل على تعزيز العلاقات العربية العربية.

** صراعات وأزمات

متحدثا عن نتائج القمة العربية، قال عبد السلام: “إذا نظرنا إلى هذه القمة من منظار الطموحات العربية تبدو دون المطلوب”.

واستدرك: “لكن إذا نظرنا إليها من ناحية الواقع العربي والمعطيات الراهنة فهي شيء إيجابي أن تنعقد قمة عربية وتصدر عنها مجموعة من المواقف العربية المشتركة والمتوازنة”.

ورأى أنه “تم (في القمة) تجاهل الخلافات (البينية) العربية لأنه ليس بمقدور أي طرف حل هذه المشاكل المزمنة التي تراكمت لسنوات إن لم أقل لعقود”.

وتابع: “هناك اتجاه بارز الآن في العالم العربي نحو مصالحات والتخفيف من منسوب الصراع، ولكن هذه المصالحات تجري لاعتبارات تكتيكية وليس نتيجة تغيير جدي للمواقف والاستراتيجيات”.

وأرجع ذلك إلى أن “الدول العربية معظمها منهكة بصراعات كثيرة، فالعديد من الدول العربية تورطت في حروب وتعاني أزمات اقتصادية وسياسية داخلية، ثم بعد الانتخابات (الرئاسية) الأمريكية (نوفمبر 2020) وفقدان حليف استراتيجي (الرئيس السابق دونالد ترامب) اضطرت هذه الدول إلى إجراء مصالحات عربية وإقليمية”.

واستدرك: “رغم ذلك فهذا شيء جيد ولو كانت النوايا تكتيكية، الأفضل أن تكون هناك مصالحات وتقارب عربي عربي وتقارب عربي إسلامي، من أن تكون هناك صراعات ومشاحنات متبادلة”.

** الديمقراطية العربية

وردا على سؤال عن الديمقراطية في العالم العربي، أجاب عبد السلام بأنه “من الواضح أن هناك تعثرا ديمقراطيا في العالم العربي، ولا يعود الأمر لاعتبارات داخلية فقط، ربما المعطى الداخلي مؤثر إلى حد ما، ولكنه يعتبر محدودا مقارنة بتأثير المعطيات الإقليمية والدولية”.

وزاد: “هناك تمنع كبير من الدول العربية بقبول الخيار الديمقراطي والانفتاح السياسي، والآن العالم العربي تجتمع فيه أزمات مختلطة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى السياسية والأمنية، ولكن من الواضح أن هناك عملية ارتداد سياسي واسع النطاق بعد ضرب الربيع العربي وتخريبه”.

وأوضح: “سقوط العديد من الدول العربية إما في أتون حروب أهلية أو عودة الانقلابات العسكرية، وهذا الوضع ليس نتيجة معطيات داخلية لفشل هذه الثورات ولكن نتيجة الثورات المضادة، فهي التي هزت عوامل الاستقرار وأزّمت الأوضاع أكثر في العالم العربي”.

وأكد أنه “ليس بمقدور أي دولة عربية أن تحل أزماتها بمفردها في ظل عالم يتجه إلى تكتلات إقليمية ودولية كبرى.. الدول العربية لا تستطيع أن تدير ظهرها للجوار العربي والإسلامي.. حاجتها ملحة لقدر من التضامن العربي والتعاون العربي العربي والتعاون العربي الإسلامي لتجاوز هذه الأزمات”.

** على هامش التاريخ والجغرافيا

وبخصوص الأزمات في العالم العربي، قال عبد السلام إنه “إذا بقيت الدول العربية تفتقد البوصلة والرؤية الاستراتيجية وغياب حد أدنى من التعاون والتضامن العربي لمواجهة هذه الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، فإن العالم العربي سيعاني أكثر وسيظل على هامش التاريخ والجغرافيا”.

وأردف: “للأسف هذا ما نراه الآن، كل مناطق العالم تشهد قدرا من الحركية السياسية والتعافي، إلا العالم العربي كان وما زال يتخبط في الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية”.

واعتبر أن المصالحات “خطوات تكتيكية لاعتبارات تخص الأنظمة العربية وليس لها رؤية استراتيجية وليس هناك ما يضمن أن هذه الخلافات لا تنفجر مجددا، خاصة وأن العديد من الخلافات والصراعات ما زالت قائمة وتعتمل تحت السطح”.

واستطرد: “في ليبيا مثلا هناك بعض الدول العربية عوض أن تدعم الحكومة المركزية في طرابلس (حكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة)، ما زالت مُصرة على دعم تمردات عسكرية”.

وحذر من أن “هذا من شأنه أن يهز الأوضاع الأمنية والاستقرار السياسي في ليبيا، ولكنه يؤثر بصورة مباشرة على الجوار، فالدول التي تصنع الأزمات في ليبيا هي أول من يكتوي بنارها”.

** العلاقات العربية التركية

وبشأن العلاقات العربية التركية، رأى عبد السلام أنها “ليست مثالية، ولكن فيها قدر من التحسن وهذا شيء إيجابي، ولا يمكن مواجه التحديات والمخاطر التي تواجه المنطقة إلا بتعاون عربي تركي”.

وقال إنه “من مصلحة العرب توثيق علاقاتهم بتركيا باعتبارها بلدا مجاورا وفيها نهوض اقتصادي وتنموي سياسي ملموس.. كذلك من مصلحة تركيا تعميق علاقاتها وتطوير الصلات بالعمق العربي”.

وتابع: “قدر العرب والأتراك أن يكونوا مع بعضهم البعض في إطار تعاون استراتيجي لمواجهة المخاطر والتحديات ذات الطابع الاستراتيجي”.

** منتدى السياسة

وعن منتدى السياسة، قال عبد السلام إنه “يمثل منبرا مهما لإدارة حوار معمق يجب أن يشارك فيه الأكاديميون والخبراء والسياسيون والباحثون بشأن التحولات الدولية حولنا”.

وأضاف: “لا نستطيع أن نغمض أعيننا ونصم آذاننا على ما يجري حولنا من تحولات في المحيط المباشر وعلى الصعيد الدولي”.

وزاد: “ما هو إيجابي هنا أن تركيا باتت تتمتع بديناميكية سياسية ومتنبهة للمتغيرات الجارية”.

وأوضح أن “النخبة السياسية والبحثية التركية مدركة لحجم هذه التحولات والتي بقدر ما فيها من مخاطر بقدر ما تحمل من فرص لدولة ناهضة مثل تركيا، وهذا يعني أن تعمل على تثبيت موقعها وتحسين وضعها الاستراتيجي ضمن التوازنات القائمة اليوم”.

** كتاب “الإله والمعنى”

وعن كتابه الصادر في 2022 “الإله والمعنى في زمن الحداثة.. الخطاب بين الهيمنة والتعدد”، قال عبد السلام إن “قضايا الإله والمعنى من الإشكاليات الأساسية التي تحضر في الفكر العالمي اليوم، ولا يمكن لنا كعرب ومسلمين أن نكون غافلين عن هذه القضايا التي تمس الوعي الفكري والفلسفي في العالم”.

وأضاف أن “الإشكالية الكبرى الآن، التي يتسم بها الفكر العالمي واتجاه الحداثة، هو غياب القيمة والمعنى وطغيان النزعة العدمية، والسؤال المهم هنا: كيف يمكن للمسلمين أن يساهموا في حل المعضلة الكبرى التي تتمثل في غياب الدلالة والمعنى في عالم يتجه نحو المادية والعدمية، كيف يمكن للإسلام اليوم أن يقدم إجابات عملية ومقنعة فيما يتعلق بالتحديات الفكرية والفلسفية والقيمية التي تواجه العالم (؟)”.

وتابع: “العالم يمر اليوم بأزمة فكرية وأخلاقية كبيرة، وهذا لا يعني أن المسلمين سيقدمون المفتاح السحري لكل شيء، ولكن بمقدورهم أن يساهموا بأفكارهم وموروثهم الديني والروحي وفق اجتهادات جديدة، وتصويب مسار الحداثة وتوجيهها نحو الوجهة السليمة”.

ولفت إلى أن “الحركة الإصلاحية منذ القرن التاسع عشر حاولت الإجابة عن سؤال كبير: كيف يمكن تطويع الحداثة أو تصويبها باتجاه أن تكون متفاعلة مع حاجات الاجتماع السياسي الإسلامي ومع الموروث العربي الإسلامي (؟)”.

واستدرك: “لكن إجابتهم ظلت ذات طابع توفيقي. ثمة عملية تبادلية وجدلية مركبة هنا. ليس مطلوبا من المسلمين تطويع الإسلام للحداثة ولا اعتبار الحداثة وصفة سحرية مكتملة يتم توظيفها كما توظف الوصفة الطبية. هذا الأمر يحتاج الى إعادة الاجتهاد في الإسلام والحداثة على السواء”.

** الإسلام والقوميات

وبالنسبة للعلاقات بين الدول الإسلامية، قال عبد السلام إن “المعطى القومي معطى فاعل ومؤثر لا يمكن تجاهله، ولكن ليس قدرنا أن تتحول القوميات إلى جزر معزولة، يجب أن تكون قوميات الإسلام الكبرى منفتحة على بعضها ومتعاونة فيما بينها، ففي أجواء الانغلاق تتحول القومية إلى قومية مريضة تتسم بالعنصرية والتعصب”.

واعتبر أنه “لم ينته الربيع العربي، ربما انتهى منه شوط أو شوطان لأن متطلبات التغيير وعوامل الأزمة ما زالت قائمة، والقوى التي جاءت على أنقاض الربيع العربي هي بدورها تعاني من مشاكل أشد وأزمات أكثر عمقا”.

وأعرب عن تقديره بأن الإسلاموية “قوى فاعلة مؤثرة وبالأمر الواقع لا توجد تيارات بديلة فاعلة ومؤثرة”، والبديل عن الإسلاموية هو أخرى جديدة “أكثر وعيا وديناميكية”.

واعتبر أن “حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا حزب وطني يتغذى من الموروث الإسلامي ومتجذر في الأرضية المحلية التركية، طبيعي جدا أن يتفاعل هذا الحزب مع الخصوصية التركية ومتطلبات الوضع التركي”.

وختم بأن “هناك اتجاهين إسلاميين مختلفين في المنطقة، اتجاه تعود جذوره إلى الحركة السلفية التجديدية التي تعود للأفغاني (جمال الدين) و(محمد) عبده ورشيد رضا وعبد الله النديم، وهذا هو الغالب في العالم العربي، واتجاه ثان يتغذى من الحركة الصوفية الإصلاحية وهو الغالب في تركيا وآسيا الوسطى”.