حتى الحوت في البحر

جاء قبيصة بن المخارق إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلما رآه علِمَ أنَّ هناك أمراً قد أشغله، فقال له: ما جاء بك يا قبيصة؟
فقال: يا رسول الله، كبر سني، ووهن عظمي، وأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله به.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا قبيصة ما مررتَ بحجرٍ ولا شجرٍ ولا مدرٍ إلا استغفرَ لكَ!
والذي يظهرُ من جموع الأحاديث النبوية في هذا المضمار أن هذا لعموم المؤمنين الذين نذروا أنفسهم لله ودينه، وليس خاصاً بقبيصة بن المخارق وحده! فقد روى الحكيم الترمذي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ اللهَ وملائكته، وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر، ليصلون على معلمي الناس الخير!
يقول خلفُ بن هشام وهو أحدُ القُرَّاءِ العشرة: أتيتُ سليم بن عيسى لأقرأ عليه، فكنتُ أقرأ عليه حتى بلغتُ يوماً سورة غافر، فلما قرأتُ قول الله تعالى: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا» بكى بكاءً شديداً، ثم قال لي: يا خلف، ألا ترى ما أعظم المؤمن؟ تراه نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له!
من كان لله كان الله له، ومن كان مع اللهِ كان الله معه، ومن سخَّر كل أعضائه لله، سخَّر الله كل الكون له!
ما أعظم المؤمن على الله، يستغفرُ له الحجر والشجر، وحملة العرش، وإذا ماتَ بكاه ممشاه إلى المسجد، وموضع سجوده!
حُبسَ الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن وجُلِدَ، ثم أُخرجَ من السجن ووضع في إقامة جبرية في منزله، ومُنعَ التدريس ومن صلاة الجماعة، ومن الجهاد فَسخَّر الله جيشاً كاملاً يُجاهد عنه!
يقول المروذيُّ: دخلتُ على الإمام أحمد، وقلتُ له: ما أكثر الدَّاعين لكَ يا أبا عبد الله!
فقال: أخافُ أن يكون هذا استدراجاً، ولكن بأي شيءٍ قلتَ لي ما قلتَ؟
فقال له: جاءني رجلٌ من طرطوس فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل رفعنا أصواتنا بالدعاء، وقلنا: ادعوا لأحمد بن حنبل! وكنا نمدُّ المنجنيق، ونرمي به، فإذا أخطأنا الرمي قلنا في الرمية التي تليها: اللهم هذا عن أحمد بن حنبل فنصيب!