جميعها باللغة العربية.. كتب تشرح لك علم الاقتصاد بأبسط صورة ممكنة

عماد أبو الفتوح

منذ بداية عام 2022، يعاني الاقتصاد العالمي من موجة تضخم كبيرة لم يشهد مثلها منذ عقود، على خلفية العودة التدريجية للأنشطة الاقتصادية العالمية بعد أن شارفت أزمة جائحة كورونا على الانتهاء، مما أدى إلى خلل في سلاسل التوريد نتج عنه ارتفاع في أسعار جميع السلع والخدمات. وما زاد الطين بلّة اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط، وهو ما أدى إلى المزيد من النتائج السلبية على الاقتصاد العالمي.

وبما أن هذا التضخم يطول الجميع، وأنه -بحسب التوقعات العالمية- لن يرحل قريبا، فإن أول سلاح لمواجهة الوضع الحالي هو فهمه فهما صحيحا. لذلك، نُرشِّح هنا مجموعة من الكتب التي تُبسِّط علم الاقتصاد بأسهل صورة ممكنة، وتُقدِّم للقارئ ما يريد معرفته من كل الأساسيات المتعلقة بالاقتصاد التي ستؤثر حتما على طبيعة قراراته الاقتصادية في عالم متقلب.

الاقتصاد كما أشرحه لابنتي

الاقتصاد كما أشرحه لابنتي

“بصفتي أستاذا في علم الاقتصاد، اعتقدت على الدوام أنه إن لم يكن في وسعكم شرح الاقتصاد بلغة يستطيع الشباب فهمها بسهولة، فأنتم ببساطة شديدة جاهلون”.. يانيس فاروفاكيس

بهذه الكلمات يفتتح أستاذ علم الاقتصاد اليوناني الجنسية “يانيس فاروفاكيس” كتابه “الاقتصاد كما أشرحه لابنتي”، الذي نُشر للمرة الأولى عام 2013، ثم صدرت له عدة طبعات عالمية بمختلف لغات العالم بما فيها اللغة العربية. في الحقيقة، كاتب الكتاب ليس أستاذا جامعيا أكاديميا فقط، بل هو اقتصادي مخضرم شغل منصب وزير المالية اليوناني عام 2015 بوصفه خبيرا في إدارة علم الأزمات الاقتصادية، ذلك النوع من الأزمات الذي كانت تشهده اليونان في تلك الفترة.

في السنوات الأخيرة، عُدَّ هذا الكتاب واحدا من أهم وأشهر كتب تبسيط علم الاقتصاد على الإطلاق، إن لم يكن أشهرها بالفعل. الكتاب يجمع ما بين السرد المقالي والقصصي، حيث تخيَّل الكاتب أنه يخوض نقاشا مع ابنته الصغيرة الحاصلة على الجنسية الأسترالية، ويشرح لها بالتدريج مبادئ علم الاقتصاد كافة بشكل يخلو تماما من أي تعقيدات، وبأسلوب يناسب طفلة في بدايات مرحلة مراهقتها، وينقل هذا النقاش المبسَّط إلى القارئ مهما كانت مرحلته العمرية.

يفتتح فاروفاكيس الفصل الأول من كتابه بطرح السؤال الذي يطرحه أي أحد: لماذا يعج العالم باللا مساواة؟ لِمَ هناك طفل ما في مجتمع ما يملك كل شيء ويتغذى جيدا ويتعلم جيدا، بينما يوجد طفل في العمر نفسه في مجتمع آخر محروم من كل شيء، ويعاني من سوء التغذية ولا يملك أساسيات الحياة الطبيعية؟ لماذا يوجد مجتمع غني وآخر فقير؟ وهل الأمر كله متعلق بكثرة أو ندرة الموارد بالفعل، أم أن هناك عناصر أخرى تفسر هذه المعضلة؟

على مدار 8 فصول، يتعمق الكتاب في شرح جوانب علم الاقتصاد الأساسية كافة بأسلوب شيق، يستخدم خلاله أستاذ الاقتصاد قصصا وحكايات شخصية وعامة، ويتطرق إلى الأساطير، ويشرح مفاهيم اقتصادية معقدة عبر أمثلة شديدة البساطة والتركيز، ويجيب عن أسئلة ابنته التي تُوجَّه له في سياقات مختلفة.

في فصوله الأخيرة، تطرَّق الكتاب إلى مفاهيم اقتصادية عميقة مثل الفائدة والتضخم والنظم البنكية وكيفية عملها، والربط بين اقتصاد الدولة وتحركاتها السياسية والإستراتيجية، مع تركيز مستمر على مفهوم الرأسمالية وتطورها عبر التاريخ. كما لم يُغفِل الكتاب التعرُّض للعملات الرقمية وسياق نشأتها وأسباب تزايد الاعتماد عليها حول العالم في السنوات الأخيرة.

الاقتصاد عاريا

نحن نتحدث هنا عن واحد من أهم كتب تبسيط علم الاقتصاد الذي ظهر في مطلع الألفية الحالية، وبالتحديد عام 2002، وهو كتاب “الاقتصاد عاريا” (Naked Economics) للأكاديمي والصحافي الأميركي تشارلز أويلان. الكتاب تُرجم إلى كل لغات العالم تقريبا، بما فيها العربية، وحاز تقييما نقديا إيجابيا في معظم المراجعات المتخصصة بواسطة القراء والأكاديميين الاقتصاديين على حدٍّ سواء.

الكتاب يسير على نهج عنوانه الفرعي “عرض طريف ومشوّق للمفاهيم الاقتصادية”، حيث يتناول في فصوله الاثني عشر المفاهيم الاقتصادية الأساسية كافة بأسلوب قصصي خالٍ تماما من المصطلحات المعقدة أو المعادلات أو الرسومات البيانية. حتى الألفاظ والمصطلحات الاقتصادية اختيرت بعناية في إطار الشرح والتوضيح، مع الابتعاد الكامل عن النمط المعتاد في الكتب الاقتصادية، والحفاظ دائما على وتيرة الخطاب عند مستوى القارئ غير المتخصص في علم الاقتصاد.

المميز في كتاب “الاقتصاد العاري” هو اعتماد المؤلف الكامل على إيراد أمور ومواقف نعايشها جميعا في الحياة اليومية، ومحاولة تفسير الأبعاد الاقتصادية في هذه المواقف، مثل غلاء السلع وفوائد البنوك والتضخم وإدارة الموارد وأزمات الإفلاس والتمويل وغيرها. كما يمتلئ الكتاب بقواعد اقتصادية يمكن للقارئ الاستفادة منها مباشرة في حياته العملية، مثل المبادئ العامة للاستثمار وطرق حصد الثروة والأساليب الأمثل للادخار، وغيرها.

ويظل من أهم العلامات المميزة في هذا الكتاب هو الأسلوب الممتع الذي صيغت به عناوين الفصول وعباراتها، وأيضا التنوع في ذكر القصص والمواقف، مما يجعله واحدا من ألطف الكتب التي قدَّمت تبسيطا لعلم الاقتصاد في العقود الأخيرة.

المخبر الاقتصادي: لماذا الأغنياء أغنياء والفقراء فقراء؟

كتاب شائق للصحافي والاقتصادي الأميركي تيم هارفورد الذي عمل مدرسا للاقتصاد في جامعة أوكسفورد، وعمل خبيرا في عدد من المؤسسات المالية الدولية، وكتب لسنوات طويلة عمودا ثابتا في مجلة “فاينانشال تايمز” بعنوان “عزيزي رجل الاقتصاد” تطرق فيه باستمرار إلى أحدث النظريات الاقتصادية، وتفرغ للإجابة عن أسئلة القراء الاقتصادية بأسلوب مرح وسهل.

عبر عشرة فصول رشيقة الأسلوب، يشرح هارفورد العديد من المفاهيم الاقتصادية دون الاضطرار إلى الالتزام بنسق سردي متصل، كل فصل من فصول الكتاب يحتوي على فكرة أساسية تتناول جانبا اقتصاديا معينا يسهب في توضيح معانيه وضرب الأمثلة عليه. يوضح الكاتب في أحد الفصول “السر وراء فقر الدول الفقيرة”، وفي فصل آخر يتحدث بإسهاب عن أسرار المتاجر الكبيرة وكيف تسيطر على رؤوس الأموال وتجذب أموال المستهلكين وتُبقيهم دائما في حالة تحفز لمنتجاتها.

في نهاية الكتاب، يفرد المؤلف فصلا كاملا حول معجزة الصين، وكيف تحوَّلت دولة معظم سكانها عاشوا في فقر مدقع لعقود إلى دولة نسبة الثراء فيها مرتفعة للغاية، سواء على المستوى الحكومي أو مستوى شرائح كبيرة من شعبها، وهو ما اعتبره الكاتب دليلا ملموسا على إمكانية حدوث تحولات كبرى سريعة في الاقتصاد، تسمح للدول الأكثر فقرا بتغيير واقعها خلال زمن قصير نسبيا.

الميزة الكبرى لكتاب “المخبر الاقتصادي” هي أنه يعج بالتفاصيل الحياتية، ويركز بشكل أكبر على ربط كل مفهوم من المفاهيم الاقتصادية بأحداث الحياة اليومية من النواحي المالية والاقتصادية والتجارية، وهو ما يجعله واحدا من أهم كتب تبسيط الاقتصاد والتجارة معا. الكتاب صدر بطبعته الأولى عام 2005، وتُرجم إلى اللغات كافة ومن بينها اللغة العربية.

دروس مبسطة في الاقتصاد

بأسلوب يبدو مدرسيا إلى حدٍّ ما، يُعَدُّ كتاب “دروس مبسطة في الاقتصاد” الذي ألَّفه الخبير الاقتصادي الشهير روبرت ميرفي وصدر بطبعته الأولى عام 2010، يُعَدُّ واحدا من أهم كتب تبسيط الاقتصاد التي ظهرت في المكتبة العالمية. الكتاب يتطرق إلى كل المفاهيم الاقتصادية المعاصرة بشرح مركَّز وواضح ويستهدف التبسيط الشديد، وكل فصل من فصوله يبدأ بمقدمة شبه مدرسية، يذكر فيها الكاتب أننا سوف نتعلم المفاهيم التالية، ثم يبدأ في تفصيلها.

الكتاب مكوَّن من 23 فصلا موزَّعين على 4 أجزاء كبيرة، يبدأ بشرح المبادئ الأساسية للاقتصاد التي يجب أن يفهمها القارئ أولا، مثل مفاهيم الاستثمار والادخار، ومعنى علم الاقتصاد بشكل مبسط. ثم يبدأ من الجزء الثاني في التعمق في اقتصاديات السوق بجانبها الرأسمالي، والتعمق في مفاهيم التبادل التجاري وقصة نشأة النقود ومعنى الإنتاج وقوانين العرض والطلب وتعريف البورصة والمضاربة.

في الجزء الثالث من الكتاب، يشرح الكاتب المفهوم المضاد للاقتصاد الرأسمالي وهو الاقتصاد الموجَّه او الاقتصاد الاشتراكي، مبرزا بشكل خاص الآثار السلبية له من حيث توافقه مع أنظمة الحكم الفاشية غالبا، ويتعمق في ذكر الأمثلة الاشتراكية التي أخفقت تاريخيا بناء على تحليله الرأسمالي بشكل مبسط، ثم يتفرغ في الجزء الأخير لمناقشة أهم قضايا الاقتصاد المعاصر مثل التضخم والاحتكار وضرائب المبيعات والدخل ومفاهيم الدَّيْن الحكومي والدورات الاقتصادية.

يمكن القول إن كتاب “دروس مبسطة في الاقتصاد” أحد الكتب المرجعية التي يجب أن توجد في رف مكتبة أي شخص غير متخصص في الاقتصاد، لسهولة فهرسته موضوعاته من جهة، وسهولة عرض هذه المعلومات وتوضيحها سرديا بتركيز واختصار يخلو من الاستطرادات الطويلة من جهة أخرى. يمكن اعتبار هذا الكتاب مقدمة مدرسية أساسية في علم الاقتصاد.

خطواتك الأولى نحو فهم الاقتصاد

في نحو 100 صفحة فقط، وبأسلوب شديد السهولة والتركيز، يأتي كتاب “خطواتك الأولى نحو فهم الاقتصاد” بوصفه واحدا من أهم كتب تبسيط علم الاقتصاد التي كُتبت بقلم عربي هذه المرة بواسطة الخبير الاقتصادي القطري الدكتور جاسم السلطان. الكتاب ظهرت طبعته الأولى عام 2010 جزءا من سلسلة كتب تربوية متخصصة في إعداد القادة.

الكتاب كما يُشير عنوانه يستهدف وضع قدم القارئ على طريق معرفته بأساسيات الاقتصاد، باستخدام أسلوب حواري وقصصي لطيف. يتحدث المؤلف عن أنواع الاقتصاد وتقسيمه إلى اقتصاد جزئي وكلي، ثم يتطرق إلى عناصر الإنتاج، ومنها يركز على مراحل تطور الاقتصاد منذ أن كان قائما على ثنائية “السيد والعبد”، ثم تحوُّله إلى ثنائية “المُلّاك والفلاحين”، ثم في النهاية يستعرض عصر الاقتصاد الجديد مع اكتشاف الأميركتين والتحوُّل إلى الرأسمالية وتطورها منذ القرن الخامس عشر إلى الزمن الذي نشهده الآن.

الكتاب مقسَّم إلى 15 موضوعا، وهو يغطي الأطروحات الاقتصادية الكبرى، ويحتوي على بعض الرسومات التي ترمز إلى كل حقبة، ما يجعله من أهم الكتب المرشَّحة لكل شخص يريد أن يبدأ في التعرُّف على علم الاقتصاد بنظرة شاملة، حيث يساعد القارئ ليس فقط على فهم الموضوعات بسرعة وبساطة، بل وتذكُّر أهم عناصرها بسهولة بالاعتماد على الصور والرسومات التي يحتويها.

50 كتابا كلاسيكيا في الاقتصاد

أفضل كتاب يمكن أن نُنهي به هذه القائمة هو كتاب “50 كتابا كلاسيكيا في الاقتصاد” من تأليف توم باتلر باودون، وهو أقرب إلى فهرس كبير لأهم 50 كتابا في علم الاقتصاد خلال العقود الماضية. الكتاب تقترب صفحاته من 350 صفحة، ويضم خمسين عنوانا، كل عنوان منهم يفرد له الكاتب عددا من الصفحات مُلخِّصا أهم الأفكار التي جاءت في هذا الكتاب، مع نظرة عامة على أهم محاوره وفصوله وأبوابه، وأيضا على الظروف التاريخية -السياسية والاقتصادية- التي نُشِر فيها.

الكتاب يضم عناوين وخلاصات كتب عتيقة نُشرت في القرن التاسع عشر، وأيضا عناوين وخلاصات كتب نُشرت في الأعوام القريبة الماضية، وبلا ترتيب. يركِّز المؤلف على مبدأ اقتصادي معين، ويُقدِّمه للقارئ من خلال كتاب تعمَّق في شرح هذا المفهوم، ويتناول أهم ما جاء فيه من نقاط. لذلك سيكون من الغريب قليلا على القارئ للمرة الأولى أن يقرأ فصلا يتناول خلاصة كتاب نُشر للمرة الأولى عام 1867 مثل كتاب “رأس المال” لكارل ماركس، ثم يقرأ في الفصل التالي كتابا نُشر عام 2014، ثم عودة إلى كتاب اقتصادي مُهم نشر في مطلع القرن العشرين، وهكذا.

التزم الكاتب بتلخيص أهم ما جاء في كل كتاب عبر 5 صفحات فقط، والإشارة باستمرار إلى أن هذه الملخصات تُعَدُّ تمهيدا بسيطا للتعمق في هذه الكتب بالتفصيل. حاز الكتاب تقييما نقديا إيجابيا كبيرا منذ نشره في المرة الأولى عام 2017، ويُعَدُّ من أهم الفهارس لكتب علم الاقتصاد الحديث.

في النهاية، هذه القائمة من الكتب لن تجعلك خبيرا في علم الاقتصاد بالطبع، ولكنها بالتأكيد تضمن لك الحد الأدنى من المعرفة التي تجعلك مؤهَّلا لفهم كيف تُدار الأمور من حولك، والمبررات الحقيقية للكثير من الأحداث التي تقرأ عنها في الصحف فيما يخص الاقتصاد العالمي والمحلي. والأهم، ستكشف لك ما تحتاج إليه من معلومات لاتخاذ قراراتك الاقتصادية الشخصية بأقل قدر من الأخطاء.

—————————————————————————-

المصادر
** الكتب المذكورة في القائمة ضمن القائمة الشخصية للكاتب، وكل المعلومات الواردة في المقال مُستمَدَّة من الكتب نفسها، أو من تراجم مؤلفيها.

المصدر : الجزيرة