جريمة تقسيم الإرهابية.. دلالات الزمان والمكان

ماجد عزام

جريمة إرهابية موصوفة تلك التي نفذتها عضوة في الجناح السوري لتنظيم بي كي كي الإرهابي في شارع الاستقلال بميدان تقسيم الأحد الماضي، وأوقعت ستة شهداء وأكثر من ثمانين جريحا. هي ليست جريمة إرهابية عشوائية أو تقليدية، وإنما بدت متعمدة ومخططة لجهة المكان، حيث ميدان تقسيم قلب إسطنبول النابض بالحياة، كما الزمان مع تكريس مكانة تركيا الإقليمية والدولية، وانطلاق الحراك السياسي والحزبي والإعلامي، استعدادا للاستحقاق الانتخابي الرئاسي والبرلماني الحاسم المقرر بداية حزيران/ يونيو من العام القادم.

تم اختيار المكان عن عمد لإحداث أكبر قدر ممكن من الصدى والتأثير، وتوجيه ضربة معنوية قوية للسلطات التركية، كما المواطنين والزوّار الأجانب أيضا.

فيما يخص المكان أيضا، فقد سعت العملية للتأثير سلبا على السياحة والتجارة في الميدان والمدينة والبلد ككل، بعد موسم صيفي حافل شهد قدوم 40 مليون سائح تقريبا، والاستعداد المتفائل والجدي للموسم الشتوي- الربيعي بعد أقل من شهر مع بداية العطلات المدرسية وأعياد الميلاد ورأس السنة بالتقويمات الغربية والشرقية، وبعد ذلك عطلة الربيع في الثلث الأول من العام القادم.
تم اختيار المكان عن عمد لإحداث أكبر قدر ممكن من الصدى والتأثير، وتوجيه ضربة معنوية قوية للسلطات التركية كما، المواطنين والزوّار الأجانب أيضا

كان ميدان تقسيم دوما أكثر من مجرد مكان، حيّا نابضا بالحياة، ومركزا للشركات والمحلات التجارية المحلية والعالمية، بينما يزخر شارع الاستقلال المتفرّع منه، حيث وقعت الجريمة دوما بالحياة والحيوية كمكان مثالي للعطل الأسبوعية والموسمية، كما ملتقى للتواصل والتعارف بين الشعوب والثقافات في عاصمة العالم إسطنبول.

أبعد من السياحة والتجارة أو للدقة عبرهما، سعت العملية الإرهابية إلى عرقلة التعافي الاقتصادي، وتجاوز جائحة كورونا وتداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا. ورغم استمرار نسبة التضخم المرتفعة، إلا أن الاقتصاد نفسه يبدو قويا وراسخا مع ازدهار السياحة وارتفاع الصادرات والسوق الاستهلاكية الواسعة، وعودة عجلة المصانع والمعامل للدوران، مع ازدياد الطلبيات الداخلية والخارجية.

أما فيما يتعلق بالزمان، فقد تم توقيت الانفجار مع انطلاق الحراك السياسي والحزبي استعدادا للاستحقاق الانتخابي الحاسم، الذي يصادف الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الجمهورية التركية في العام القادم.

والهدف هنا، النيل من هيبة السلطة والقيادة الحاكمة داخليا، وفي الوقت نفسه الرد على الحضور الخارجي، وتكريس تركيا كلاعب إقليمي ودولي مهم ومؤثر لا يمكن تجاوزه. كما رأينا في جهود التوصل إلى اتفاق الحبوب العالمي بامتياز، الذي أنقذ العالم من مجاعة حقيقية وقلاقل سياسية اقتصادية اجتماعية موازية، وتم تطبيقه لفترة تجريبية، ثم العمل لاستمراره ضمن مدى زمني مفتوح أو لسنة على الأقل.

وهذا إضافة إلى الدعوات الخارجية والمساعي والترتيبات الداخلية لتحويل تركيا إلى مركز إقليمي لتوزيع ونقل الغاز إلى أوروبا، كما الاستعداد لتحوّل تركيا إلى مصدر ليس للنقل، وإنما للتصدير فيما يخص الصناعات التحويلية والمواد الزراعية والغذائية الأساسية، في ظل شتاء قارس وقاس ينتظر القارة الأوروبية، وربما العالم أيضا.
لا يمكن تجاهل هدف آخر للعملية يتمثل ببث الفتنة والفوضى والشقاق داخل المجتمع التركي، والسعي حتى لتقسيمه مع إحراج الحكومة، كما قال وزير الداخلية سليمان صويلو، ومحاولة تحميلها المسؤولية عن العملية بحجة حربها ضد التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق، وحتى في أوروبا نفسها

إلى ذلك، باتت تركيا قناة الوساطة الوحيدة المصداقة والموثوقة بين طرفي الحرب في أوكرانيا، والأمل المتبقي في إقناع الطرفين بإيقاف الحرب والعودة إلى طاولة التفاوض في إسطنبول للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي بينهما، ترجمة لممر السلام المتمثل بطرق تصدير الحبوب والزيوت إلى العالم.

لا يمكن تجاهل هدف آخر للعملية يتمثل ببث الفتنة والفوضى والشقاق داخل المجتمع التركي، والسعي حتى لتقسيمه مع إحراج الحكومة، كما قال وزير الداخلية سليمان صويلو، ومحاولة تحميلها المسؤولية عن العملية بحجة حربها ضد التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق، وحتى في أوروبا نفسها، مع الإصرار على محاربة التنظيم هناك والتنسيق الأمني مع تركيا ضده، كشرط لقبول طلب السويد وفنلندا للانضمام إلى حلف الناتو.

إذن، مع السعي لإيقاف نمو الاقتصاد وتطوره وضرب الحركة التجارية والموسم السياحي قبل موسم الشتاء- الربيع والانتخابات، يبدو الهدف واضحا والعملية ليست إرهابية عشوائية، وهي ليست داعشية أيضا، حيث لم تبد هيئة الإرهابية كذلك، بالتأكيد مع القبض على العصابة- الشبكة التي خططت ونفذت الجريمة، واتضاح أنها تابعة فعلا للجناح السوري لتنظيم بي كي كي الإرهابي، الذي يريد التأثير على التطورات السياسية بناء على أجندة خارجية لمموليه ومشغليه، وتحديدا الولايات المتحدة.
يمكن الرجوع إلى تصريح جو بايدن الشهير عن إسقاط الرئيس رجب طيب أردوغان، لكن بالانتخابات بعد فشل الانقلاب القضائي 2014، ثم العسكري المدعوم أمريكيا

هنا، يمكن الرجوع إلى تصريح جو بايدن الشهير عن إسقاط الرئيس رجب طيب أردوغان، لكن بالانتخابات بعد فشل الانقلاب القضائي 2014، ثم العسكري المدعوم أمريكيا، الذي خُطط وأُشرف عليه من ولاية بنسلفانيا الأمريكية في العام 2016.

إلى ذلك، يسعى التنظيم الإرهابي للثأر من الضربات الموجعة التي وجهتها تركيا له في العراق وسوريا، ونجاحها في تحييد عدد كبير من قادته بالبلدين بالاستخدام الفعال للطائرات المسيرة، مع إبقاء خيار العمليات العسكرية البرية على الطاولة لاجتثاثه من جذوره، بعد توجيه ضربة قاصمة إلى أحلامه أو للدقة أوهامه في إقامة كيان انفصالي في سوريا، إضافة إلى قطع الصلة بين معقل التنظيم في جبال قنديل شمال العراق وذراعه السوري بأسمائه الحركية المختلفة.

جاءت ردّة فعل السلطات التركية على مستوى الحدث، كما في أي دولة ديمقراطية، لجهة شرح الخلفيات والأهداف للمواطنين؛ كون الحدث أكثر من مجرد عملية إرهابية تقليدية، وإنما تستهدف الدولة التركية نفسها وأمنها واقتصادها واستقرارها ودورها ومصالحها الإقليمية. ومن هنا، الحرص على طمأنتهم ووضعهم في صورة التطورات أوّلا بأوّل، مع تحركات المؤسسات والأجهزة الأمنية والعدلية والقبض في زمن قياسي على الخلية المنفذة، كما البنى التحتية للتنظيم الإرهابي.
يسعى التنظيم الإرهابي للثأر من الضربات الموجعة التي وجهتها تركيا له في العراق وسوريا، ونجاحها في تحييد عدد كبير من قادته بالبلدين بالاستخدام الفعال للطائرات المسيرة، مع إبقاء خيار العمليات العسكرية البرية على الطاولة لاجتثاثه من جذوره

في السياق، لا بد من التذكير بتفجيرات العامين 2015 و2016 للتنظيم الإرهابي نفسه، التي فشلت في التأثير على الاستحقاقات الانتخابية آنذاك. ومن ثم لجأ المشغّلون إلى وسائل وأدوات أخرى عبر الانقلاب العسكري الفاشل، الذي لم ينفذ كما ينبغي حسب زلة اللسان الشهيرة لوزير الخارجية الأمريكية الأسبق جون كيري.

والآن، يبدو أن ثمة سعيا جديدا عبر العمليات الإرهابية من أجل التأثير على سيرورة التطور والنهوض الداخلية والخارجية.

كما العادة، جاء رد فعل الشعب التركي بعقله الجمعي حاسما، كما رأينا بعد سلسلة التفحيرات 2015 و2016، والتصدي للانقلاب العسكري من خلال الصمود والثبات والوحدة في مواجهة الإرهاب، وتبدّى أيضا في عودة الحياة والحيوية إلى الميدان النابض قبل مرور 24 ساعة على الجريمة، في رسالة تحدٍّ جلية للجريمة والمجرمين. إضافة إلى جهوزية الأجهزة والمؤسسات وعملها الاحترافي، وكشف كل ملابسات الجريمة، وإعادة الأمن والأمان والسياحة وعجلة الاقتصاد إلى الدوران داخليا، بموازاة حضور لافت خارجيا للرئيس أردوغان في قمة مجموعة العشرين بإندونيسيا، لمناقشة أزمات الغذاء والطاقة العالمية، وتكريس دور ومكانة تركيا في مواجهتها.