تلك الجنة…

عن الشيخ النابلسي بتصرف

‏‏‏‏قال الله ﷻ:
﴿وَتِلكَ الجَنَّةُ الَّتي أورِثتُموها بِما كُنتُم تَعمَلونَ﴾
هذه الآية الكريمة لو جمعناها مع حديث شريف صحيح نقَعُ في إشكال يقول عليه الصلاة والسلام: لن يدخل أحد منكم الجنة بعَمله، قالوا: ولا أنت…يتغمَّدني ” فكيف نُوَفِّق بين هذه الحديث الصحيح الذي يُؤكِّد أنَّ الإنسان لن يدخل الجنة بِعَمَلِهِ إنما يدخل الجنَّة بِرَحمة الله، وبين هذه الآية ومثيلاتها من الآيات التي تؤكِّد أنّ الجنَّة بالعمل.
بِسَبب عملكم، وليس تعويضًا عن عملكم لأنَّها أكبر بِكَثير، لذلك لو استقام الإنسان وقال: أنا أسْتَحِقّ الجنَّة ! فهذا كلام غلط، لأنَّك باستِقامتك قدَّمْت سبب الجنَّة وليس ثمنها، فثَمَنُ الجنَّة لا يُقدّر، أحد الصحابة الكرام اسمهُ زَيد الخير، وهو من الشخصيات النادرة في الجاهليَّة، وكان طويل القامة إلى درجة أنَّه إذا ركب فرسَهُ لامَستْ رِجلاه الأرض ! وكان صَبوح الوَجه، ومن أجمل خلق الله، وكان شُجاعًا وكريمًا…ولمَّا سَمِع بِدَعوة النبي عليه الصلاة والسلام قَدِم المدينة فدَخَل المدينة وقْت صلاة الجمعة، والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب، فقال عليه الصلاة والسلام مُنوِّهًا للحاضرين: أنا خير لكم من الجمل الأسود، وخير لكم من الذَّهب والفضَّة، وخير لكم مما تعبدون، تقدَّم منه بعد انتهاء الصلاة وعرَّفهُ بِنَفسهِ، وقال: أن زيد الخيل فقال عليه الصلاة والسلام: بل أنت زيد الخير ! وأخذهُ إلى بيته، وفي البيت قال له: يا زيد، ما وُصِف لي رجل فرأيتُهُ إلا رأيْتُه دون ما وُصِف إلا أنت يا زيد !! ولله درُّك أيُّ رجلٍ أنت ؟! فقال: أعْطِني ثلاث مائة فارس لأغْزُوَ بهم الروم ! فأعطاهُ النبي وِسادةً لِيَتَّكِأ عليها، فقال له: والله يا رسول الله لا أتكئ في حضْرتك، ثمَّ ودَّع النبي وسار إلى أهله، وفي الطريق وافتْهُ المنيَّة، وهو أقْصر عمر صحابي وافتْهُ المنيَّة !!! فالجنَّة ليسَت بعَمَلنا، ولكنَّها بِفَضْل الله تعالى، أما عملنا فهو سبب للجنَّة، وليس ثمنًا لها، لذا ورد عن الإمام جعفر رضي الله عنه أنَّه روى قدسيًا يقول الله عز وجل: اُدخلوا الجنَّة بِفَضلي، واقْتَسِموها بِأعمالكم، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾

لن ترث الجنة بمالك أو بنسبك أو بجاهك أو بمنصبك أو بأمانيك ؛ بل سترثها بعملك فعلى قدر عملك يكون جزاءك؛ بعد فضل الله ورحمته.

.