تفكيك الإلحاد.. هل يقودنا إلى تحقيق نهضة علمية؟!

بقلم : أحمد التلاوي

من بين أهم قواعد معالجة المشكلات والأزمات، هو تفكيكها إلى عناصرها الأساسية، والبحث في مسبباتها، وهي منهجية علمية استقرَّت عليها الأمم الناهضة منذ مئات السنين، وبَنَت عليها نهضتها العمرانية والعلمية الحالية.

وبالنظر مباشرةً إلى القضية التي نحن بصددها في هذا الموضِع من الحديث، وهي قضية الإلحاد، وتياره الآخذ في الانسياح بين ظهرانينا في السنوات الأخيرة؛ سوف نجد أننا في النهاية –على سبيل الاختزال غير المُخِلِّ في توصيفها– أمام ظاهرة اجتماعية، وبالتالي؛ فهي خاضعة لتطبيق أداوت التفكيك هذه، للوصول إلى جوهرها ومُرَكَّبَاتها الأبسط.

هذه الظاهرة التي نحن إزاءها، ذات أبعاد متعددة، ومن بين هذه الأبعاد، الإطار التربوي الذي يتم داخل مدارسنا؛ حيث البُعد الديني غائبٌ عنها.

وهناك الجانب الإعلامي؛ حيث لا نرى في واجهة الشاشات سوى كل ما يزدري الدين والتَّديُّن، والسخرية والاستهزاء والعياذ بالله، بالخلق والخالق؛ تمامًا كما كان الأولون يفعلون مع أنبيائهم وفق ما أبلغنا به القرآن الكريم.

أضِف إلى ذلك، عدم كفاءة المنصات الدعوية في المساحات الإعلامية ومساحات التواصل المباشر وغير المباشر، في مقابل قضايا كبرى تعاظمت في العقود الماضية، بحاجة إلى منهجٍ عقليٍّ جديد للتعامل معها.

ولقد رأينا في استطلاعات مؤسسة “الباروميتر” العربي التي أجرتها لحساب هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بين العام 2018م والعام 2022م؛ بُعدًا ذا صلةٍ بذلك؛ حيث أشار الاستطلاع في العام 2018م إلى وجود دور لسلوك جماعات ما يُعرَف بـ”الإسلام السياسي” ضمن عوامل أخرى في ارتكاس 50 بالمائة من الشباب العربي عن فكرة الدين والتَّديُّن، في عدد من الدول العربية التي من المعروف عنها أنها مجتمعات متدينة أو على الأقل مجتمعات محافِظة.

أما استطلاع 2022م، فقد أشار إلى وجود دور كبير لاختفاء أو ضعف هذه الجماعات، وضعف التيارات السلفية، في استعادة مساحات التدين لدى شريحة كبيرة من الشباب في هذه الدول والمجتمعات.

وهو وضع لا يمكن بحال قبول تفسيره فقط بالحرب التي اندلعت بين هذه التنظيمات والتيارات وبين النظم الحاكمة في كثير من بلداننا العربية والإسلامية في السنوات التي تلت ثورات ما يُعرف بـ”الربيع العربي”؛ حيث هناك أزمات أصولية داخل هذه الجماعات والتيارات، وإن كان التفصيل في ذلك يخرج عن نطاق الحديث هنا.

تفكيك الإلحاد –وهي عبارة كانت حتى عنوان ملف أحد أعداد مجلة “الوعي الإسلامي” الكويتية– يقودنا إلى نقف أمام بعض الأسباب التي أدت إلى شيوع الأفكار الإلحادية، ولكن من بينها سببان لافتان.

السبب الأول؛ لماذا خلق الإله كل هذا الشرّ في العالم، ولماذا يتركه هكذا؛ حيث لا يتصورون وفق مفهومهم للإله، أن يكون هذا هو حال الدنيا منذ خلْقِها وحتى الآن، وبالتالي؛ هم يستبعدون وجود إلهٍ أو ربٍّ لهذا الكون، ويفترضون أن المادة قد خلقت نفسها، وتطورت إلى صور الحياة والوجود المادي المختلفة الحالية.

السبب الثاني، يكمُن في قضية مهمة للغاية، وهي التطورات المتسارعة للعلم المادي الحديث المجرَّد، والذي للعقل فيه سطوةٌ كبرى، تمكن معهما الإنسان من تحقيق سُنَّة ربانية مهمة، وهي سُنَّة التَّسخير، والتي تعني في لغة أهل العلم المادي المجرَّد، قدرة الإنسان على التحكُّم في الظواهر والمفردات المادية من حولنا، وتوظيفها لما فيه مصلحته، وتحقيق رفاهيته.

بالفعل، قامت الحضارة الغربية السائدة حاليًا، على العلم المادي، كأساس لها، مثلما كانت الفلسفة والمنطقيات أساسًا للحضارة الإغريقية القديمة –وإن كان العقل جذر كلا الحضارتَيْن– ومثلما كان الدين هو أساس الحضارة الإسلامية التي سادت العالم القديم لمدة تزيد على الألف عام.

هذه الأمور، وإنْ كان من الممكن الردُّ عليها بما جاء في القرآن الكريم، إلا أنه ينبغي الإشارة هنا إلى خطأ مركزي مهم نقع فيه عند مخاطبة هؤلاء، وهو أن القرآن الكريم ليس حُجَّة نتحاكم إليها كمسلمين مؤمنين بالله تعالى، وبوجوده، مع الملحدين.

فالقرآن الكريم كتاب اللهِ تعالى، وهم لا يؤمنون بوجود خالق لهذا الكون أصلاً، وبالتالي لا يؤمنون بالقرآن الكريم لكي نحاجِجُهم به، ولذلك فإن استخدام نصوص القرآن الكريم، لا مجال له في هذا الأمر، وإن كان من الممكن اللجوء إلى المنطق الموجود في بعض آيات القرآن الكريم التي تردُّ عليهم.

كما أن بعض هؤلاء يؤمن جزئيًّا بفكرة وجود خالقٍ للكون، ولكنه –بعقله القاصِر– لا يقبل مع انتشار أفكار الوجودية، أو الإعلاء من الانتماء الإنساني –وكلها أفكار ذات جاذبية وإلا ما وجدت مريدين لها– المنطق أو الحكمة التي يدير بها اللهُ سبحانه وتعالى هذا الكون، ويدبِّرُ بها أمره، فلَن يُوزعون بالقرآن الكريم.

والحقيقة، أن شريحة كبيرة من الملحدين هم من الفئة المنبهرة بالحضارة الغربية وزخرفها، مع ما يجيده الغربيون من أساليب الدعاة، وهو أحد مظاهر ما نعرفه باسم “الانهزام النفسي” أمام الأعداء الذين قهرونا واستعمرونا.

إن شريحة كبيرة من الملحدين هم من الفئة المنبهرة بالحضارة الغربية وزخرفها، مع ما يجيده الغربيون من أساليب الدعاة، وهو أحد مظاهر ما نعرفه باسم “الانهزام النفسي” أمام الأعداء الذين قهرونا واستعمرونا

وفي حقيقة الأمر، فإن معالجة هذه الظاهرة، ليس بالسهولة التي يتكلم بها البعض على المنابر أو في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة؛ حيث هي ترتبط بجذور إشكالية حاصلة على أرض الواقع، ومنها الهزيمة الحضارية للأمة، والتخلف الذي يعيشه المسلمون.

فهنا نحن أمام إشكالية انهزام نموذج أمام نموذج آخر، وبالتالي –وفق منطق الشطط الذي يحكم هؤلاء– أنه “يجب علينا عبادة النموذج المنتصر الذي يسود ويستعبد المهزوم باعتباره النموذج الأصلح”.

وهم يرون ذلك منطقيًّا، وهو ذات منطق عَبَدة الشيطان الرجيم؛ حيث يرونه –بمنطق عقولهم القاصرة– في ظل ظهور الفساد في البرِّ والبحر، أنه منتصرٌ في المعركة مع الخير.

في قضية انتشار الأفكار المتطرفة أو المغلوطة، قد تنجح جهود الدعاة، ونشاط هذا الداعية أو ذاك؛ حيث في النهاية، هناك أرضية مشتركة يقف عليها طرفَيْ المعادلة، وهو الإيمان بالله تعالى، وبدينه وشريعته، بينما المشكلة أعمق في حالة الملحدين؛ حيث لا أرضية مشتركة بين الجانبَيْن، بل على العكس؛ أحدهما –الملحد– يرى الآخر متهافتًا، ومهزومًا، وغير قادر على إقناعه.

قد تنجح جهود الدعاة، ونشاط هذا الداعية أو ذاك؛ حيث في النهاية، هناك أرضية مشتركة يقف عليها طرفَيْ المعادلة، وهو الإيمان بالله تعالى، وبدينه وشريعته، بينما المشكلة أعمق في حالة الملحدين؛ حيث لا أرضية مشتركة بين الجانبَيْن

وحتى دعوات التأمل في خلق الله تعالى في الإنسان، وفي الكون؛ غير مجدية لأن الملحدين على وجه الخصوص، لأنهم لديهم قناعة ما في هذا الصدد، قناعة أشبه بالمُعتَقَد، وهو أن الطبيعة خلقت نفسها وتطورت وفق قوانين الفيزياء والأحياء التي نعرفها.

أي أنهم هنا ليسوا خواءً من القناعات والمعتَقَدات في هذا الشأن، ولا يوجد لديهم فراغ يمكن مِلؤه. في أحسن الأحوال؛ يمكن إقناع البعض، ولكن الغالبية؛ أثبتت التجارب الدعوية معهم أن الأمور أكثر صعوبة مما هو مُتَصوَّر.

وتتعمق هذه الحالة في ظل أزمات أكبر وأعمق يواجهها النموذج الإسلامي، والذي يزيد مشكلاته، ادعاءات المتخلفين، وجَهَلة القوم، وأنظمة الفساد والاستبداد، وقُطَّاع الطرق من الإرهابيين الذين يقتلون الناس باسم الدين أحياناً، والدين منهم جميعًا براء؛ أنهم يمثلون المشروع الإسلامي، وهي مشكلة لم يستطِع المسلمون وطليعتهم معالجتها في ظل تناقضات الواقع المُعَاش مع النموذج المِثال الذي يطرحه الدعاة والمصلحون.

فما إنْ لم تحدث ثورة علمية وحضارية شاملة في العالم الإسلامي، تنهض على أساس يُعيد العقل إلى مكانته الصحيحة –أصلاً العقل في الإسلام هو أحد مناطَيْ التكليف مع البلوغ– وتقدِّم منتجًا علميًّا ماديًّا أصيلاً مثل الماضي، ويحتضن كل ذلك نموذجٌ إسلاميٌّ أو مشروع إسلامي صحيح للعمل، والتفكير، في إطار نهضة شاملة؛ سوف يستمر نزيف التفلُّت من الدين والتديُّن، ولن يمكن مجابهة الأفكار الإلحادية في مجتمعاتنا.