بعد إجراءات قيس سعيد.. إلى أين يمضي المشهد السياسي التونسي في 2022؟

يتوقع خبراء تونسيون أن يحمل قانون المالية لسنة 2022، قرارات موجعة قد تزيد من وتيرة الاحتقان الشعبي، وارتفاع المطلبية الاجتماعية، بالتوازي مع ارتفاع قياسي في نسب البطالة، وتراجع نسب النمو والاستثمار.

قبل نحو عامين وصل أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد لسدة الحكم في تونس بعد انتخابات رئاسية ديمقراطية وشفافة بشهادة مراقبين محليين ودوليين.

غير أن القرارات الاستثنائية التي أعلنها يوم 25 يوليو/ تموز الماضي، أثارت أسئلة حول مستقبل الديمقراطية، ومخاوف من العودة للاستبداد الذي ثار ضده التونسيون في يناير/كانون الأول 2011.

مُنعرج 25 يوليو
خرج الرئيس التونسي في 25 يوليو/ تموز الماضي، ليعلن إعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتجميد اختصاصات مجلس النواب ورفع الحصانة عن أعضائه، فضلا عن توليه جميع السلطات، في إجراء قال إنه “لإنقاذ الدولة من الخطر المحدق بها”.

الأزمة السياسية في تونس.. جدل حقوقي وسياسي متصاعد
وانتشر الجيش بعد كلمة الرئيس في محيط المؤسسات السيادية، ومنها مجلس نواب الشعب، ومنع رئيسه راشد الغنوشي وعشرات النواب من دخوله، كما شهد محيطه مواجهات بين داعمي الرئيس والرافضين لإجراءاته.

في 29 سبتمبر/أيلول الماضي، أعلن سعيّد تكليف نجلاء بودن بتشكيل حكومة كفاءات غير حزبية وباشرت عملها دون التصويت على الثقة لحكومتها في البرلمان المجمدة أعماله، وسط جدل حول شرعيتها ومحدودية صلاحياتها.

وخلّفت قرارات سعيد انقساما حادا بين الأوساط السياسية والشعبية، فهناك من اعتبرها تصحيحا للمسار الديمقراطي وإيقاف حالة العبث والفوضى داخل البرلمان، بينما وصفها آخرون بـ”انقلاب مكتمل الأركان على الدستور الذي أقسم عليه الرئيس داخل قبة البرلمان، ليغلقه بعد ذلك بقوة السلاح”.

تعليق الصورة: صورة نشرها حساب الرئاسة التونسية على موقع فيسبوك لاجتماع مجلس الأمن القومي بإشراف الرئيس قيس سعيد

انقلاب أم خطوة ضرورية؟
شجبت أحزاب سياسية كحركة النهضة وائتلاف الكرامة ما أقدم عليه الرئيس، كما تشكّلت جبهات حزبية ومدنية للتصدي لما وصف بـ”الانقلاب” كمبادرة “مواطنون ضد الانقلاب”، و”تنسيقية القوى الديمقراطية” التي تضم كلا من “التيار الديمقراطي” و”آفاق تونس” و”الحزب الجمهوري” و”التكتل”.

وعبّرت أحزاب أخرى، منها حركة الشعب و”حركة تونس إلى الأمام” والتيار الشعبي، عن دعمها لقرارات الرئيس، ووصفتها بالهامة “للقطع مع عشرية الخراب والفساد”، في حين طالب الاتحاد التونسي للشغل بتحديد سقف زمني للخروج من الوضع الاستثنائي.

وأطل الرئيس التونسي قبل يومين من ذكرى اندلاع الثورة في 17 ديسمبر/ كانون الأول، ليعلن مواصلة تجميد أعمال البرلمان لحين إجراء انتخابات تشريعية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2022.

كما دعا لتنظيم استشارة شبابية إلكترونية، وعرض جميع الإصلاحات الدستورية للاستفتاء الشعبي في 25 يوليو/تموز القادم.

معارك الشارع والبطون الخاوية
اختار معارضو إجراءات الرئيس التوجه لأشكال نضالية جديدة بعد التضييق عليهم أمنيا، ومنعهم من التظاهر والاعتصام في شوارع العاصمة، وأعلنت حملة “مواطنون ضد الانقلاب” عن خوض مجموعة من أعضائها “معركة البطون الخاوية” بوجه “الانقلاب”.

يقول الناشط والعضو في الحملة زهير إسماعيل، وهو أحد الذين أعلنوا الإضراب المفتوح عن الطعام رفضا لما وصفه “بانقلاب الرئيس على الدستور”، إن المشهد السياسي في تونس بات مفتوحا على جميع السيناريوهات خلال الأشهر القادمة.

ويعتقد إسماعيل، في حديث للجزيرة نت، أن وجود شارع ديمقراطي حي وثائر بوجه الاستبداد يقوّض السردية الشعبوية التي يتحدث عنها الرئيس أمام الداخل والخارج؛ بأن الجميع يدعم قرارته.

ويشدد الناشط على أن ما أعلنه سعيّد من تسقيف زمني وتحديد موعد لتنظيم انتخابات تشريعية لا يعنيهم في شيء، وأنهم سيواصلون معارضتهم له بكل الوسائل النضالية السلمية المتاحة.

وتوقع الناشط في “حملة مواطنون ضد الانقلاب” أن تطيح الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تونس، بطموحات الرئيس “الاستبدادية” خلال الأشهر القادمة، في ظل تلويح اتحاد الشغل بتحركات نقابية مطلبية اجتماعية، فضلا عن تشكيل القوى الديمقراطية لجبهات سياسية للتصدي لإجراءاته.

أزمة اقتصادية خانقة
ويجمع أساتذة في الاقتصاد على أن الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعيشها تونس هي الأسوأ على الإطلاق منذ عقود، في ظل عجز ميزانية الدولة وشُح مواردها بالتوازي مع تعطّل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، واستحالة الاقتراض الداخلي والخارجي.

وتوقع خبراء تونسيون أيضا أن يحمل قانون المالية لسنة 2022، قرارات موجعة قد تزيد من وتيرة الاحتقان الشعبي، وارتفاع المطالب الاجتماعية، بالتوازي مع ارتفاع قياسي لنسب البطالة، وتراجع نسب النمو والاستثمار.

نحو الجمهورية الثالثة
على الجانب الآخر، يطالب مناصرو الرئيس قيس سعيد بالقطع نهائيا مع المنظومة السياسية والحزبية التي حكمت بعد الثورة، ويحملونها مسؤولية الفشل السياسي والاقتصادي الذي تعيشه البلاد. في حين يتوقّع كثيرون أن يمضي الرئيس نحو تغيير نظام الحكم ويؤسس لمشروع البناء القاعدي.

يقول رئيس حزب التحالف من أجل تونس، سرحان الناصري، إن حزبه من أبرز الداعمين لإجراءات الرئيس، وإن الأخير حسم أمره بإعلان خارطة طريق ورزنامة زمنية تبدأ بالدعوة لاستفتاء على إصلاحات دستورية، وتنتهي بتنظيم انتخابات تشريعية مبكّرة.

ويستبعد الناصري استئناف عمل البرلمان الحالي مع بداية السنة الجديدة، معتبرا أن العودة ستكون بعد تنظيم انتخابات تشريعية جديدة وبقانون انتخابي جديد.

ويرى أن الفترة القادمة ستشهد خطوة للأمام نحو بناء ما وصفها بالجمهورية الثالثة، مشددا على أن إجراءات 25 يوليو/تموز قطعت نهائيا مع منظومة الأحزاب التي تحكم.

وباعتقاده، سيؤسس هذا لنظام رئاسي بكامل صلاحياته، وآخر برلماني ذي سلطة تشريعية مستقلة مهمتها الوحيدة سن قوانين الدولة ومراقبة مؤسساتها، وليس الحكم.

ويرى كثيرون أن السنة الجديدة ستكون حبلى بالأحداث الساخنة في تونس، وقد يتغير المشهد السياسي برمته، مع مضي الرئيس في مشروعه ورؤيته الخاصة للحكم وللدولة، رافضا الحوار مع أي جهة حزبية أو مدنية، مقابل شارع محتقن ومعارضة تتوسع دائرتها يوما بعد آخر.

المصدر : الجزيرة