ايران: تصحيح المسار أو الطوفان

رؤية تاريخية و سياسية معمقة للوضع الإيراني

بقلم الاستاذ محمد جابر الطيبة الخط الاخضر فلسطين

عندما اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979 كانت ثورة ملهمة، وصادمة. أنهت دور أحد أعمدة السياسة الغربية الشاه وأحدثت تغيير جذريا، وشكلت املاً لقسم كبير من شعوب المنطقة التي لم تنظر اليها كثورة شيعية، وإنما ثورة إسلامية وثورة إنسانية. رغم أن هذه الثورة لم يشارك فيها التيار ذو التوجه الشيعي الاثنا عشري وحده، وإنما قطاعات الشعب الايراني المختلفة، إلا أن الخميني كان رجل المرحلة الذي استطاع تحويل مجريات الأحداث نحو فكره وتوجهه حتى خضعت له ايران في الغالب راضية. الا انه بعد هذا النجاح بدأ يتحدث عن تصدير الثورة إلى الجوار العربي، لإنقاذ المستضعفين من المتجبرين بالأرض، لكن إستراتيجية تصدير الثورة الإيرانية كثورة فشلت فشلا ذريعا، لأسباب شتى، أهمها:
اولاً: التواطؤ على وأد الثورة الإيرانية. وكانت الدول العربية -خصوصا العراق ودول الخليج ومصر- أداة الإستراتيجية الأميركية والإسرائيلية لتحجيم الثورة الإيرانية، فجاء الاجتياح العراقي لإيران 1980 تدشينا لحرب استنزاف طويلة وأليمة، أنهكت العرب وإيران معاً، وأسعدت إسرائيل وأميركا كثيرا.وقد دفع العراق ثمنا فادحا لتلك المغامرة الدموية الخرقاء بعد نحو ربع قرن، حين استغلت إيران وتعاونت مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003 (كما كانت مساهمتها مركزية في الغزو الامريكي لأفغانستان لان الشيطان الاكبر له اشكال متعددة ومتغير بتغير اهواء الولي الفقيه وفي هذه المرحلة كان صدام وطالبان). فاجتاحت ايران العراق بروح انتقامية وذاكرة موتورة، وجاست خلال الديار تقتيلاً وتنكيلاً، وحولت العراق دولة تابعة تدور في فلكها ، تتحكم فيها من خلال القوى السياسية والعسكرية الشيعية التي أعدتها منذ الثمانينات. وقد أعان إيران صبرُها الاستراتيجي، وخبرتها الميدانية، واستعدادها لدفع الثمن، والاستثمار في الجماعات الشيعية العربية- استثمارا سياسيا وإستراتيجيا جنت ثماره مرحليا.
ثانيا: أن الثورة الإيرانية ذاتها لم تكن نموذجا لثورة ناجحة، جاذبا للشعوب العربية والإسلامية المحيطة بإيران، فالأصوات التي بدأت تخرج بعدها من اطراف عديدة من الشعب الايراني خصوصا الاقليات لم تبشر بخير ولم تعطي شعوب المنطقة مساحة من حسن الظن، وانما نظام مغلق طائفي عنصري فارسي بقناع سطحي ديني يقمع كل صوت مخالف حتى لو كان من نفس التيار وله نفس الميول.
وعندما جاء الربيع العربي كان فرصة لا تعوض لإيران لتجديد شباب ثورتها التي انحرفت عن مسارها واثبات انها جزء من المنطقة وشعوبها وامالهم واحلامهم ومشاريعهم. لكن غلب على القيادة الإيرانية قِصَر النظر وضيق الأفق، فطعنت طعنة نجلاء الشعوب العربية التائقة الى التحرر والانعتاق من انظمة إما متخلفة أو من مخلفات الاستعمار او ذنب من اذنابه. ونسي القائمين على ايران اليوم كيف تحرك الشعب الايراني عام 1979 وكانت هذه القيادة جزءا منه وواجهوا دبابات الشاه بصدور عارية، ولكن بلا شك ان القيادة العسكرية لجيش الشاه كانت اشرف وانظف سلاحا من القيادات الحالية حيث رفضت توجيه فوهات مدافعها الى شعبها واجبرت الشاه على الانسحاب فخلا الجو للفئة الحاكمة الآن.
حملت ايران وملحقها في لبنان حسن زميرة لواء الثورة المضادة، ضد ارادة الشعب السوري بالتحرر من النظام الطائفي العلوي، وساهمت في وأد الثورة اليمنية بدعمها للحوثيين الزيديين ، وهو امر يجمعها مع غريمتها السعودية التي بدورها كانت وراء وأد ثورة المصريين والليبيين والبحرينيين.
إن انهيار النظام الإيراني مستبعد بسبب المظاهرات الحالية، ومن الغباء الظن أن النظام الحالي في السعودية قادر على زعزعة الامور في إيران، ومن يظن ان لهم دور في ذلك فقد اعطاهم من القدر والاحترام اكبر بكثير مما يستحقون . من جهة اخرى يجب عدم الاستهانة بهذه الاحداث كما حاول المتحدث باسم ايران حسن زميرة قائلا “ما جرى في إيران من مظاهرات يتم استيعابه بشكل جيّد، وهو لا يُقارَن بما جرى عام 2009”.
إن النظام الايراني ما زال يتمتع بعنصرين أساسيين يضمنان استمراره على المدى القريب، أولا فهو ما زال يتمتع بشعبية عند قطاع من الشعب الإيراني المؤيد للنظام فكريا وعقائديا، وثانيا فإن الجيش الايراني خاضع خضوعا تاما لهذا النظام، بل إن قيادته وضباطه أكثر الاطراف إيمانا وانتماءا له . هذان العاملان كافيان لضمان وجود النظام على الأمد القريب، ولكن الدرس الأهم للنظام الايراني يجب ان يكون أن الثورة المضادة تنتهي غالبا إلى استيراد الثورة.
فقد انطلقت الشعلة من مشهد، على ضوء إفلاس عشرات آلاف الأشخاص. فتوسعت إلى عشرات المدن والقرى، وظهر أن قطاعاً كبيراً من الشعوب الإيرانية يعاني من الفقر المدقع وارتفاع في نسبة البطالة، خصوصاً في القرى والمناطق المهمشة، حيث تصل إلى 60%. وكان واضحا من الشعارات أن الشعب يعتبر تدخلات النظام، في سورية واليمن والعراق ولبنان، جعلته ينفق مداخيل النفط هناك، ولا يلتفت للوضع الداخلي. بل على العكس فقد زاد الضرائب ورفع الأسعار في ميزانية السنة الجارية.
هذا وضع مثالي للثورة، فمهما كانت طبيعة النظام، ومهما كانت سياساته، فإن إيصال الشعب إلى هذه الوضعية يعني أن الشعب سوف يصنع ثورة. هذه حتمية تكرّرت في كل التاريخ الحديث، وشهدتها البلدان العربية منذ نهاية سنة 2010، وسنشهدها في بلدان كثيرة في السنوات المقبلة، فحين يصل قطاع كبير من الشعب إلى هذه الحالة ، سوف ينفجر، وحينها لن يتوقف الأمر عند مطالب اقتصادية وإنما “إسقاط النظام”.
لا يتمنى عاقل تفكك إيران أو ان تعود شرطي المنطقة لحساب من لا يريد بنا خيرا كما كان حالها ايام الشاه، عصى الغرب الطويلة وطابورها الخامس، وتشكل مع اسرائيل التي كانت لها معها علاقات وطيدة اعمدة المحافظة على المصالح الامريكية الغربية في الشرق الاوسط، وإنما نريد من ايران أن تكون جزءا من المنطقة من شعوبها حاضرها مستقبلها امالها احلامها طموحاتها شريك في مشروع تحرير الانسان والمكان.
نريد من إيران أن تخرج من سوريا وتكفر عن دعم نظام هي تعلم أنه مجرم وفاسد بكل معنى الكلمة، ولا أظن أن ما فعلته يُكَفر.. وأن تستجيب لشعبها بعيدا عن لغة القمع… وإلا الطوفان قادم، ومغفل من ظن الدوام، فدوام الحال من المحال.