انت في هذه غريب او بل عابر (ة) سبيل

وصية ليست كغيرها من الوصايا، بل هي من الأهمية بمكان، وهي هزة لكلِّ من بلغته هذه الوصية لينتبه ويستفيق، وبهذه الهزة تتساقط كل أوهامك وأحزانك الدنيوية.

هي وصية جامعة لعدة وصايا، ومنها:
– الغريب لا يُحدِّث نفسه بطول البقاء؛ لأنه يعلم أنه في أي لحظة سيرجع إلى وطنه الأول ومستقره النهائي.
– والغريب نظرا لقلة معرفته بالناس قليل الحسد والعداوة والحقد تجاه من حوله.
– والغريب بسبب قصر وقت إقامته لا ينشغل (قلبه) كثيرا بتكثير الأموال والأملاك التي تشغله عن الله والدار الآخرة.
– والغريب مستوحش من الناس، ولا يأنس بمن حوله لأنه خارج وطنه، بل أنسه الوحيد في وطنه وبين أهله.
– والغريب لا يحزن كثيرا على خسارته في غربته ما دامت أملاكه في وطنه الأصلي كما هي.
ومثل الغريب عابر السبيل، فهو خفيف الأحمال أكثر من الغريب، وغير منشغل بحمل ما يُعيقه عن سفره، ولا يحمل أكثر مما يحتاجه ليبلغ مقصده، و(أو) يجوز أن تكون للتخيير، والأحسن أن تكون بمعنى (بل).
والرسالة هنا:
أنت في هذه الدنيا غريب، ووطنك الحقيقي: الجنة، وقد أنزل الله منها أبويك ابتداء، وجعل مرجعك إليها -إن شاء الله- انتهاء، فالدنيا ممر، والآخرة مقر، فلا تُحَدِّث نفسك بطولِ الإقامة فيها، ولا تتعلق بها إلا تعلق الغريب بغير وطنه، ولا تشتغل بها كما لا يشتغل عابر السبيل بشيء حتى يعود إلى أرضه.
هي وصية جامعة بالزهد في الدنيا، وأخذ البلغة فيها والكفاف، وكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلِّغه مقصده، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلِّغه الجنة
ومطلوب منا السعي المادي لتأمين مستقبل أولادنا، لكن ليس هذا هو المطلوب وحده، بل الأهم منه هو أن نسلك الطريق الذي أرشدنا الله إليه:
(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)..
أمرنا الله عند الخوف على الأولاد بتقوى الله وقول الحق، فهذا هو السبيل القرآني تأمين مستقبل أولادنا كما أرشدنا الله إليه..
وتقوى الله تشمل تحري الحلال واجتناب الحرام في مطعمنا ومشربنا وملبسنا وكلامنا وحياتنا..
فلنثق في وعد الله ولنطمئن، ولنحقق الشرط الذي علينا لنحظى بالوعد الرباني.
قال ابن كثير في البداية والنهاية
قيل لعمر بن العزيز في مرض موته:
هؤلاء بنوك وكانوا اثني عشر ألا توصي لهم بشيء، فإنهم فقراء؟
فقال: (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) [ الأعراف : 196 ].. والله لا أعطيهم حق أحد، وهم بين رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فما كنت لأعينه على فسقه.
ثم استدعى بأولاده فودعهم وعزاهم بهذا ، وأوصاهم بهذا الكلام، ثم قال: انصرفوا عصمكم الله، وأحسن الخلافة عليكم.
قال الراوي:
فلقد رأينا بعض أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرسا في سبيل الله، وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك مع كثرة ما ترك لهم من الأموال يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز؛ لأن عمر وكل ولده إلى الله عز وجل، وسليمان وغيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يدعون لهم من الأموال الفانية، فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم.