الواقع وصوابية الرؤية التركية.. إصلاح الأمم المتحدة نموذجاً

بقلم ماجد عزام

أكّدَت الأحداث الدولية المتسارعة خلال الشهور والسنوات الأخيرة صوابية الرؤية التركية المنادية بإصلاح النظام الدولي والأمم المتحدة تحديداً من أجل عالم أكثر عدلاً، كونه فعلاً أكبر من خمسة كما يقول الرئيس رجب طيب أردوغان دائماً، في إشارة إلى الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.

لقد استشعرت تركيا باكراً جدّاً ومنذ أكثر من عقد ضرورة إصلاح الأمم المتحدة، ومجلس الأمن تحديداً باعتباره الحكومة التي تدير العالم، وذلك بعدما استشرفت أن النظام الحالي أصبح غير قادر على حلّ المشكلات التي يواجهها العالم.

وعندما نتحدث عن قضايا فلسطين وقبرص والبوسنة وكوسوفو ورواندا والصومال وأفغانستان وسوريا والعراق وليبيا وأخيراً أوكرانيا، نجد أنفسنا أمام أدلَّة ساطعة ومُحزِنة بالطبع على عجز المنظومة الدولية (الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي يقودها) عن إنهاء تلك الأزمات أو حتى وضع حلول ولو طويلة المدى لها، وبالحدّ الأدنى التعاطي المنصف والأخلاقي معها.

لكن هذا لا يعني أبداً وفق الرؤية التركية للإصلاح التشكيكَ في المنظمة الأممية نفسها، كونها كانت ولا تزال كما يقول الرئيس أردوغان حاجة عالمية من أجل إرساء الاستقرار والسلم الدوليَّين، ولكن مع ضرورة إجراء إصلاحات ضرورية وملحَّة فيها كي تتمكن من القيام بالمهام المنوطة بها على أكمل وجه.

سبب آخر لضرورة إصلاح الأمم المتحدة يرتبط بظهور قوى عالمية جديدة صاعدة وناهضة في العقدين الأخيرين، يتعلق الأمر بتركيا نفسها كما جنوب إفريقيا ونيجيريا والبرازيل والأرجنتين؛ لا بد أن تكون لها كلمة مسموعة في إدارة النظام الدولي الجديد وحل مشكلات العالم بشكل أكثر عدلاً وإنصافاً وشمولاً.

أما قمة الاختلال أو الظلم بالنظام الدولي والأمم المتحدة فتتمثل بغياب الدول الإسلامية عن العضوية الدائمة في مجلس الأمن، ما يمثل بحد ذاته إجحافاً بحق المسلمين -وهم يشكّلون 1.5 مليار إنسان تقريباً- مع الانتباه مثلاً إلى أن معظم اللاجئين في العقود الثلاث الأخيرة هم مسلمون وغالبية الأزمات أو الحروب الداخلية تجري في دول مسلمة، ويعود ذلك أساساً إلى عجز النظام الدولي، كما التدخلات السلبية المؤذية والضارة لقوى كبرى -ممثلة في مجلس الأمن- ساهمت مباشرة في خلق تلك الأزمات والنزاعات زمن الاستعمار القديم قبل أن تؤجّجها عبر تجارة الأسلحة وتقاسم الهيمنة والنفوذ الاقتصادي زمن الاستعمار الجديد.

إذاً من أجل ذلك كله، دعت تركيا في مرحلة مبكرة جدّاً إلى إصلاح المنظمة الدولية من أجل عالم أكثر عدلاً، ودائماً وفق القاعدة الشهيرة للرئيس أردوغان “العالم أكبر من خمسة”.

في التعبير عن الحاجة إلى إصلاح الأمم المتحدة طرحت تركيا رؤيتها الإصلاحية المتضمنة توسيع مجلس الأمن ليضمّ من 20 إلى 25 دولة دون إقصاء جغرافي أو ثقافي أو عرقي أو عقائدي، مع إلغاء حق النقض (فيتو) وتنشيط عمل الجمعية العامة للأمم المتحدة لتأخذ دورها إلى جانب مجلس الأمن في التصدي للأزمات الدولية.

وخلال هذه الفترة ومع الدعوة إلى الإصلاح لم تقف تركيا جانباً بل انخرطت إيجاباً في الأزمات والقضايا الإقليمية والعالمية، كما تحركت في اتجاهات مختلفة إقليمياً ودولياً، ولعبت أدواراً مهمة في مهامّ حفظ السلام الدولية والمساعدات الإنمائية، كما باتت إسطنبول مقرّاً للعديد من المنظمات الأممية النشطة والحيوية مثل مكتب التنسيق الإنمائي وهيئة المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وتبدو في طريقها لتصبح أحد المراكز الإقليمية المهمة للأمم المتحدة مع انخراط إيجابي في المحيط العربي الإسلامي، وتنشيط الحضور في آسيا الوسطى، وتأسيس منظمة الدول التركية، والانخراط الإيجابي لحلّ الأزمة الأذرية الأرمنية. كل ذلك بموازاة الانفتاح على إفريقيا وأمريكا الجنوبية وتأسيس علاقات راسخة وفق المصالح المشتركة وقاعدة رابح-رابح بعيداً عن الذهنية الاستعمارية الإمبريالية والاحتكارية.

جنباً إلى جنب، تواصل تركيا السعي داخل الأمم المتحدة ومؤسساتها دفاعاً عن هذه الرؤية مع نجاح في ترؤُّس دبلوماسي تركي (فولكان بوزكير) للجمعية العامة للأمم المتحدة 2020، وحضور الرئيس أردوغان بشكل دائم اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة دفاعاً عن الرؤية الإصلاحية بما في ذلك افتتاح البيت التركي الأممي الضخم والمهيب في نيويورك كي يخدم تلك الرؤية.

وهنا لا بد من الانتباه لإصدار 193 دولة بياناً في ذكرى تأسيس الأمم المتحدة، يونيو/حزيران 2021، يتبنى تقريباً نفس الرؤى الإصلاحية، مع تصريحات لافتة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اعتبر فيها أن تركيا محقّة في مطالبها لإصلاح مجلس الأمن بعدما تضاعف عدد أعضاء المنظمة ثلاث مرات تقريباً خلال العقود السابقة.

وأخيراً، جاءت الأزمة الأوكرانية وعجز مجلس الأمن عن مواجهتها إيجاباً لتؤكّد تماماً صوابية الرؤية التركية وضرورة القيام بإصلاحات لتجاوز حق النقض الفيتو المعمول به بشكل غير منصف أو عادل، ولذلك تمت الدعوة إلى اجتماع طارئ غير عادي للجمعية العامة لإصلاح المنظومة عبر تقييد وتقليص استخدام حق النقض (فيتو) كخطوة أولى لحل الأزمة وضرورية لإصلاح المنظومة كلها.

إلى ذلك بات الغرب نفسه كما قال الرئيس أردوغان يستشعر أهمية الرؤية التركية، وضرورة إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن لمواجهة الأزمات المتفاقمة، والعمل على حلّها، مثل الفقر واللاجئين والإرهاب ومعاداة الإسلام، وتوسيع دائرة القرار لتضمّ قارات وثقافات وعقائد متعددة دون إقصاء الفيتو من أجل عالم أكثر عدلاً.

تدرك تركيا أن الوقت بات ملائماً ومناسباً أكثر لمواصلة التحرك والمضي قدماً في حصد التأييد للرؤية الإصلاحية، ولذلك دعت دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية إلى سلسلة من الندوات واللقاءات بمشاركة سياسيين ومفكرين وصنّاع الرأي انطلقت فعلاً في الربيع الماضي من إيطاليا والبرازيل، ووصلت هذا الأسبوع إلى فرنسا وإنجلترا ثم ستنتقل إلى عواصم وحواضر عالمية متعددة في قارات العالم لتنتهي في نيويورك مع موعد انعقاد الدورة السنوية للجمعية العامة المتحدة الشهر القادم.

الهدف كان ولا يزال نيل أوسع تأييد ممكن للرؤية الإصلاحية العادلة والمنطقية والواقعية. وبالعموم في مجالات متعددة كما في الاتفاق “الأممي” بامتياز لتصدير الحبوب الأوكرانية إلى العالم تبدو تركيا لاعباً أمميّاً بامتياز، وتنفيذ رؤيتها الإصلاحية بات مسألة وقت ولو بشكل تدريجي وبعد حين، علماً أن النظام العالمي الذي تَأسَّس قبل ثمانين عاماً تقريباً لا يمكن تغييره خلال سنوات قليلة، بل يحتاج الأمر إلى تصميم وعزيمة وإرادة، والأهمّ رؤية قيادية صلبة ومتماسكة للمضيّ قدماً حتى الخواتيم السعيدة من أجل عالم أكثر عدلاً يصبح فيه المحقّ قويّاً لا القويّ محقّاً كما يقول الرئيس أردوغان دائماً.

المصدر TRT عربي