المدارس النظامية.. ثورة التعليم السني!

بقلم : محمد شعبان أيوب

حَفَل تاريخ الإسلام بالعديد من العظماء، الذين حملوا رسالة الإسلام بإخلاص، ودعوا إلى الله على بصيرة، وجاهدوا في الله حق جهاده… وخلَّد التاريخ أسماءهم، ولا زال الجيل بعد الجيل يلهج بذكرهم ويعتز بالانتساب إليهم، ويتخذ منهم منارات هدى على دربه الطويل.

وكان من السياسيين الأعلام الذين لم يُعْطَوا حقهم من الدرس والبحث؛ الوزير الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، الملقب بـ”نظام المـُلك”، الذي كان من أكابر الوزراء في الدولة السلجوقية. حيث كانت له أياد بيض في خدمة الدولة، والدفاع عن عقيدتها، والوقوف في وجه أعدائها… وقد كرس حياته كلها من أجل رفع شأن الدين. فحارب الباطنية والمبتدعين، وآوى العلماء إلى ركن شديد، وبنى المدارس لطلبة العلم، وقدَّم يد العون للفقراء، وأنجز الكثير من الخدمات للدولة، ثم قضى نحبه شهيدًا.

لقد كتب الله لهذه الشخصية الفذة أن تظهر في فترة حرجة من تاريخنا الإسلامي، وهي فترة القرن الخامس الهجري، حيث عَظُمَ فيها أمر الفِرَق الباطنية، واستفحل شرها، وتطاير شررها في العديد من أصقاع العالم الإسلامي… وقد بذل هذا السياسي الكبير الجهد الكبير في سبيل حماية دولة الإسلام، وتثبيت أمرها، ورفع شأنها، والتصدي للكائدين لها، الذين كانوا يعملون ليل نهار للقضاء على الإسلام وأهله.

أدرك نظام الملك أن الفترة التي سبقت مجيء السلاجقة الأتراك لحكم العالم الإسلامي في ظل السيادة الدينية للعباسيين كانت فترة يحكمها الشيعة البويهيون في العراق وإيران، وهي فترة ازدهر فيها الفكر الشيعي الإمامي، والإسماعيلي، هذا فضلا عن وجود الدولة الفاطمية في مصر التي كانت تبث دعاتها، وتنفق الأموال الطائلة على نشر المذهب الإسماعيلي، وتسعى جاهدة لتقويض دعائم أهل السنة في مناطق نفوذ العباسيين والسلاجقة كافة.

ومن هنا، فإننا نرى في كتابه “سير الملوك” هجوما حادا على هذه الفِرق، ومدى خطرها، ناصحا السلاجقة بعدم التعاون أو الاعتماد عليها، أو الوثوق فيها، يقول: “سيتضح للملك في اليوم الذي أتنحى فيه جانبا فسادهم، وفكرهم وسوء فعلهم، وسيعلم أيضا مدى ما كان لي من شفقة وهوى وميل في دولته القاهرة، وأني لم أكن بغافل وغير مطلع على أحوال هذه الطائفة، وما كان يدور في خلدها، بل لقد كنتُ أعرضها على الأعتاب السامية دائما، لكني لما رأيت أن أقوالي لم تكن تلقى لديه قبولا، ولم يُصدّقها عزفتُ عن تكريرها”.

على أن الأخطر من ذلك كله كان ظهور فرقة الإسماعيلية الحشاشية بزعامة الحسن الصباح، وقلاعهم المتناثرة في كلٍّ من إيران وبلاد الشام، وكثيرا ما أُرسلت القوات السلجوقية للقضاء على هذه الطائفة التي لم تكن تهدأ في القيام بعمليات الاغتيال لكبار الأمراء والعلماء وكل من كانوا يرونه عقبة أمام أفكارهم ومشروعهم، واستطاعوا بسبب حصانة مواقعهم ونشاط دُعاتهم أن يستميلوا كثيرا من أهل المناطق المحيطة بهم في دامغان والألموت وغيرها من أقاليم إيران إلى أفكارهم، هذا فضلا عن توسّعهم في بلاد الشام أيضا وهو الأمر الذي طالما حذّر منه نظام الملك السلطات السلجوقية.

أيقن نظام الملك أن المواجهة يجب أن تكون شاملة، لا تكتفي بالعنصر العسكري أو الأمني أو الخشن فقط، بل يجب أن يرافقها مشروع ثقافي تتبناه الدولة، وكان هذا المشروع ممثلا في إنشاء المدارس “النظامية” في حواضر العالم الإسلامي في بغداد ونيسابور ومرو والري وغيرها، وكانت هذه المدارس بمنزلة الجامعات الحكومية التي أوقف عليها الأموال الضخمة.

صحيح أن تأسيس المدارس في عالم الإسلام كان سابقا لعصر نظام الملك، وأنه لم يكن مبتكره، ولكنه كان أول من سنَّ نظاما جديدا في حقل التربية والتعليم، وهو تعيين رواتب وتخصيص مساكن لطلاب العلم، وتأمين سكن ونفقات للمدرّسين، وكانت مدارس/جامعات مُجهّزة ليل نهار؛ إذ كانت أسباب فراغ البال والمطالعة وتحصيل العلم متوافرة فيها للمعلمين وطلاب العلم على حدٍّ سواء.

وكان لحسن حظّ الوزير نظام الملك أن مجموعة من أكابر علماء وفقهاء السنة كانت تُعاصره، مثل العلامة إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت 478هـ/1085م) وهو شافعي مثل نظام الملك، وقد تقرب الرجلان من بعضهما، بل إن الجويني أهدى إلى نظام الملك أحد كتبه الذي سماه “الرسالة النظامية”، ومن أجل الجويني بنى نظام الملك المدرسة النظامية في نيسابور عاصمة خراسان، أما العلامة أبو حامد الغزالي (ت 505هـ/1111م) وهو ابن مدينة طوس المدينة ذاتها التي وُلد فيها نظام الملك، كما أنه تلميذ الجويني، فقد تقرب هو الآخر من نظام الملك، واستدعاه إلى بغداد كي يدرس في المدرسة النظامية التي بناها لإحياء المذاهب والعقائد السنية بين أوساط العامة وطلبة العلم.

كان يحضر في نظامية نيسابور ثلاثمئة طالب يوميا، وعلى مدار ثلاثين سنة للإصغاء إلى دروس إمام الحرمين الجويني، أما نظامية بغداد التي أُسست بين عامي 457 إلى 459هـ،

فكان لها أوقاف كثيرة من أسواق وحمّامات ودكاكين وضياع لتأمين أجور العمال والأساتذة ونفقات الطلبة، وكان فيها أيضا مكتبة قيّمة ذات منصّة وأساتذة ومعيدون وكُتبية وحُرّاس وخدم كثيرون، لقد كانت نفقات الأساتذة والطلاب خمسة عشر ألف دينار سنويا، وكان عدد طلابها ستة آلاف طالب يدرسون النحو واللغة، والفنون الأدبية، والفقه، والتفسير، والحديث، وغير ذلك من العلوم الشرعية.

انتشرت المدارس النظامية في البصرة وأصفهان وبلخ وهراة ومرو والموصل، وكان أكثر أساتذة النظاميات وكتبييها وطلابها من مشاهير علماء القرن الخامس والسادس والسابع الهجري، وكانت الأولوية لعلماء الشافعية والأشاعرة، وقد انتشر طلابها في حواضر العالم الإسلامي وتولّوا الوظائف المختلفة، حتى إن العلامة أبو إسحاق الشيرازي، المدرس الأول لنظامية بغداد، يحكي عن الأثر الكبير الذي أحدثه مشروع “المدارس النظامية” قائلا:

“لما خرجتُ في رسالة الخليفة المقتدي إلى خراسان لم أدخُل بلدا أو قرية إلا وجدتُ قاضيها وخطيبها من تلامذتي”، ومن هنا بدأ المشروع يؤتي ثماره بتخرج دفعات من الطلاب الحريصين على نشر المذاهب السنية، والوقوف في وجه الحركات الباطنية والمناوئة لاعتقاد أهل السنة، حتى أصبح للمدارس النظامية سمعتها وقوتها في جميع أرجاء العالم الإسلامي.

ولعل هذا النجاح الكبير هو الذي جعل العلامة الحافظ ابن عساكر مؤرخ الشام ومحدّثها يُسارع للخروج من دمشق إلى بغداد ليسمع الدروس في الجامعة النظامية، وبعد عودته يعكف على تأليف أهم موسوعة خُطّت في ذلك العصر وهي “تاريخ دمشق” في أكثر من 70 مجلدا، بل إن صيت هذه المدرسة بلغ إلى آفاق بعيدة؛ إلى بلاد المغرب الأقصى، حيث سمع عنها ابن تومرت مؤسس الدولة الموحدية، فشد الرحال من المغرب إلى المدرسة النظامية لكي يتفقّه على يد العلامة أبي حامد الغزالي وغيره ثم يعود إلى موطنه يُناظر العلماء، ويدعو لنفسه، ويؤسس دولة الموحدين على أنقاض دولة المرابطين.

كان إنشاء هذه المدارس في كلٍّ من بغداد ونيسابور وبلخ وهراة وأصبهان والموصل والبصرة ومرو وطبرستان دليلا على التخطيط الجيد، والتوزيع الجغرافي المقصود، فقد أُنشئت في المدن التي اتخذت مركز الصدارة والريادة والتوجه الفكري آنذاك، فضلا عن أن كثيرا منها كانت مراكز لتفريخ الأفكار الباطنية الإسماعيلية مثل البصرة ونيسابور وطبرستان وخوزستان والجزيرة الفراتية.

كان الوزير نظام الملك الطوسي يختبر بنفسه معلومات الأساتذة والعلماء من خلال المناظرات التي كان يعقدها في المناسبات المختلفة ويُلقي عليهم أسئلة كان قد أعدّها سابقا

ونظرا للمكانة الكبيرة التي احتلتها المدارس النظامية في الوعي العام في كامل بقاع العالم الإسلامي، أصبحت الجامعات النظامية أُمنية لكل أستاذ وشيخ كبير للتدريس والعمل فيها، بل وإنفاق الأموال والذخائر للوصول إلى هذه الغاية مثل عبد الرحمن الطبري وأبي حامد البردي اللذين درّسا في هذه الجامعات بعد تعب وجهد، لكن اختيار الأساتذة للتدريس في هذه الجامعات كان يجري على وفق تقاليد تشبه إلى حدٍّ ما تقاليد أرقى الجامعات الحديثة.

كان الوزير نظام الملك الطوسي يختبر بنفسه معلومات الأساتذة والعلماء من خلال المناظرات التي كان يعقدها في المناسبات المختلفة ويُلقي عليهم أسئلة كان قد أعدّها سابقا؛ فإذا لمس لديهم من العلم ما يؤهّلهم إلى التدريس في هذه المدارس وجّههم نظام الملك إلى المكان الملائم لهم في هذه المدارس، فيوفدهم إلى إلى أكثر المدن احتياجا إلى علمهم وخبرتهم ودُربتهم.

لم يكن اهتمام نظام الملك بالمدارس النظامية التي أنشأها في كامل حواضر الدولة الإسلامية في خراسان وإيران والعراق مُنصبا على العلوم النقلية فقط لتخرج الفقهاء والوعاظ والقضاة، ونشر ثقافة العلوم الشرعية بين عموم الناس، بل إنه اهتم بإنشاء أقسام علمية في هذه الجامعات، واستقدم لها أعظم العلماء التطبيقيين في عصره، فقد دعا عالم الرياضيات عمر بن الخيام الذي أنشأ له مرصدا فلكيا كان يعتبر من أحدث المراصد الفلكية في عصره، فاخترع التقويم السلجوقي أو الجلالي الذي عمل به ابتداء من عام 472هـ/1079م.

كانت الخطوة التالية أن نظام الملك حضّ علماء المدارس النظامية على تأليف مصنفات تواجه دعاية وأراجيف المذاهب الباطنية والإسماعيلية، وتُبيّن حقيقة هذه العقائد، وتكشف الأسرار التي لا يُدركها عامة الناس، وتعطيهم دفعة من الأمان المعلوماتي والديني لصوابية الإسلام السني، ووقفت الخلافة العباسية موقف تعضيد وتأييد لنظام الملك ومشروعه الثوري ذلك. وكان من أكثر تلك المصنفات شهرة ما كتبه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في رسالته الشهيرة في نقض عقائد الباطنية، وكانت تكليفا من الخليفة العباسي المستظهر، فسماها الغزالي بـ”المستظهري”، وأنتج عقب ذلك عدة أعمال أقصر ضد الإسماعيليين وشرعية إمامهم، في الوقت الذي دافع فيه عن حقوق الخليفة العباسي في قيادة الأمة.

أحدثت المدارس/الجامعات النظامية طفرة هائلة في

مواجهة المشروع الإسماعيلي الباطني، وكذلك انتشار ثقافة نشر العلوم والمعارف والعقائد السنية، والدعم السخي غير منقوص للأبحاث العلمية “التصانيف” وللأساتذة وطلبة العلم والقائمين على المكتبات في كامل بقاع العالم الإسلامي في ظل الخلافة العباسية والدولة السلجوقية.

لكن النتائج كانت أعظم أثرا من عصر نظام الملك الطوسي في خلال القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، لقد كان هذا المشروع مُلهما للدول كافة التي أعقبت السلاجقة في منطقة الشرق الإسلامي كما حدث مع الدولة الزنكية والأيوبية والمملوكية من خلفهم، وكلهم ساروا على نهج نظام الملك ونظامه التعليمي الذي كفل التشجيع على إقامة المدارس وإيقاف الأوقاف عليها، وهو ما ضمن حرية الدراسة والبحث العلمي، ونتج عنه في نهاية المطاف كمًّا هائلا ورصينا من المصنفات في فروع العلوم الإسلامية التي أُلّفت في القرون السادس والسابع والثامن والتاسع الهجري، والتي لا تزال شاهدة على عبقرية وثورية هذا النظام الذي أحدثه الوزير أبو علي الحسن نظام الملك الطوسي.

وبسبب هذا النجاح الباهر، وهذه العقلية المبدعة التي جمعت بين مهارة الإدارة، وغزارة العلم، والإلمام بالتحديات، والتقرب من الرعية وإقامة العدل، فقد قرر الباطنية الإسماعيلية الانتقام من هذا الوزير الذي بدد جهودهم وأحلامهم، فخرج إليه رجل منهم على زي صوفي فقير يُعطيه مظلمته ليكشفها، فاقترب منه النظام لكن الباطني غدر به، وسدد طعنة نافذة إلى قلبه، فسقط ميتا من فوره، وذلك في العاشر من شهر رمضان سنة 485هـ/1092م بالقرب من مدينة نهاوند بإقليم فارس، وقد حُمل جثمانه ووُورِي الثرى في مدينة أصفهان، ودُفن في الجامعة النظامية التي أنشأها في تلك المدينة، وهو في السابعة والسبعين من عمره.