القناة السفلية.. مخطط لبناء 3557 وحدة استيطانية لإحكام الطوق على القدس

في الخامس من يناير/كانون الثاني الجاري صادقت بلدية الاحتلال في القدس على 5 مخططات لبناء 3557 وحدة استيطانية جديدة، جنوبي المدينة باتجاه بيت لحم، وعلى حافة التلة الفرنسية بقلب القدس، وسيؤدي هذا إلى اختراق قرى فلسطينية وتشتيتها.

تدخل مدينة القدس المحتلة مرحلة جديدة من الاستيطان الإسرائيلي؛ سيفصلها كليّا عن محافظة بيت لحم جنوبا، ويطوّق قرى وأحياء فلسطينية كصور باهر وبيت صفافا، ويخترقها ثم يشتتها.

ففي الخامس من يناير/كانون الثاني الجاري صادقت ما تسمى “اللجنة المحلية للتخطيط والبناء” في بلدية الاحتلال بالقدس على 5 مخططات لبناء 3557 وحدة استيطانية جديدة، إحداها بين مستوطنتي “هارحوما” المقامة على أراضي جبل أبوغنيم في قرية صور باهر، و”جفعات هاماتوس” على أراضي خربة طباليا في قرية بيت صفافا (جنوبي القدس)، والثانية على حافة التلة الفرنسية باتجاه جبل المشارف في قلب المدينة.

يتاخم المخطط الجديد مستوطنة هارحوما ويعد ثاني الأحياء بعدها التي بنيت خارج الخط الأخضر-المصدر_ موقع كول هعيرالمخطط الجديد يتاخم مستوطنة “هارحوما” ويعدّ ثاني الأحياء التي بنيت خارج الخط الأخضر (الصحافة الإسرائيلية)
بُعد ديني ووتيرة سريعة
يسعى الاحتلال إلى إضفاء طابع ديني على مشروعه الاستيطاني الأول الذي سميّ بـ”القناة السفلية”، نسبة إلى القناة الرومانية التي كانت تنقل الماء من ينابيع قرية أرطاس الفلسطينية (برك سليمان) قرب بيت لحم إلى البلدة القديمة في القدس. وتدّعي الرواية اليهودية أن القناة كانت تنقل الماء “إلى جبل الهيكل” في القرن الأول قبل الميلاد.

وسيضم مشروع القناة السفلية 1465 وحدة سكنية على مساحة 186 دونما (الدونم يعادل ألف متر مربع)، وتحدّه من الشمال والشرق “كنيسة مار إلياس” ودير الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية الواقعة على الطريق بين القدس وبيت لحم.

ويتوقع أن تنشر خطة المشروع للمراجعة العامة في 17 من الشهر الجاري، ثم تصادق عليها ما تسمى “اللجنة اللوائية” ليبدأ تنفيذها وتنجز في غضون عامين، ضمن وتيرة سريعة.

التفكجي: القنصلية الأميركية مرشحة للتحول إلى سفارةالتفكجي: المخطط الجديد يقع ضن مشروع وضعه وزير الإسكان السابق أرييل شارون لإزالة الخط الأخضر (الجزيرة)
نسف الخط الأخضر
وفق الأمم المتحدة، فإن الخط الأخضر هو الخط الفاصل بين الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948 والأخرى التي احتلتها عام 1967، وكان يعرف أيضا بخط الهدنة بين الأردن وإسرائيل بعد النكبة، ونشأ عنه مصطلح “المنطقة الحرام” التي يمر منها هذا الخط، وأي مستوطنات إسرائيلية خارجه تعدّ غير شرعية بنظر القانون الدولي.

وهنا تكمن إحدى إشكاليات مخطط “القناة السفلية” التي ستكون أول حي يهوديّ جديد خارج الخط الأخضر بعد مستوطنة “هارحوما” على جبل أبو غنيم، التي بنيت في أواخر التسعينيات على أراضي قرية صور باهر، إبان اتفاق أوسلو، وأحدثت ضجة سياسية على المستوى الدولي.

ويؤكد خبير الخرائط والاستيطان خليل تفكجي للجزيرة نت أن 50% من هذا المخطط يقع خارج الخط الأخضر، ويندرج ضمن مشروع “النجوم السبع” الذي اقترحه وزير الإسكان الإسرائيلي السابق، أرييل شارون، عام 1990، لإزالة الخط بشكل نهائي، والرجوع إلى ما قبل الرابع من يونيو/حزيران 1967.

حصار الأحياء المقدسية
يوضح تفكجي أن الهدف الأكبر لهذا المخطط هو تطويق الأحياء الفلسطينية بالمستوطنات، ثم اختراقها وتشتيتها. وإذا أخذنا قرية صور باهر وجارتها أم طوبا مثالا، فإن المخطط سيطوقهما من الجنوب تماما.

ومن قبل ذلك حاصرت مستوطنة “تل بيوت” شمال صور باهر، أما من الشرق فحاصرها شارع “الطوق الأميركي”، فضلا عن مخطط سيخترق قلبها بـ6 بؤر استيطانية.

وسيقطع مخطط “القناة السفلية” أيضا التواصل الجغرافي بين قريتي صور باهر وبيت صفافا جنوبي القدس، إلى جانب مخطط آخر لبناء حي استيطاني يدعى “جفعات هشاكيد” على مساحة 38 دونما من أراضي بيت صفافا بواقع 473 وحدة استيطانية، وبالقرب منها صادق الاحتلال على بناء 3 أبراج بواقع 130 وحدة سكنية في مستوطنة “هار جيلو” المقامة على أراضي قرية الولجة ومدينة بيت جالا.
حزام استيطاني جنوبي
ومنذ احتلالها في حرب 1967، أقام الاحتلال مستوطنات على أراضي القرى الفلسطينية جنوبي القدس، وأبرزها من الشرق إلى الغرب: مستوطنة “أرمون هنتسيف” على أراضي جبل المكبر، و”هارحوما”، و”رامات راحيل”، و”جفعات همتوس”، و”هار جيلو”.

وسيقع المخطط الجديد جنوبي مستوطنة “رامات راحيل” في المنطقة الواقعة بين “هارحوما” و”جفعات همتوس”، ليتشكل بذلك حزام استيطاني متواصل من الجنوب الشرقي حتى الجنوب الغربي للمدينة، فضلا عن إكماله بمخطط مقبل لبناء مستوطنة “جفعات يائيل” على أراضي قرية الولجة بواقع 5 آلاف وحدة سكنية.

حسم ديمغرافي
ويرى الخبير تفكجي أن الاحتلال يسعى لحسم العامل الديمغرافي (السكاني) في القدس خلال عام 2022، فهو لم يكتفِ بمصادرة الحيّز المكاني وإخلاء سكانه، بل عمل على بناء الوحدات الاستيطانية فوقه وإسكان مستوطنيه داخلها، كما انتهج أسلوب التوسع العمودي ببناء الأبراج عوضا عن الأفقي.

وفي الوقت الذي يبني فيه الاحتلال آلاف الوحدات على أراضي المقدسيين المصادرة، يرفض إعطاءهم رخص البناء في مدينتهم، ويهدم منشآتهم بشكل يومي، ففي عام 2021 هدم الاحتلال نحو 300 منشأة سكنية وغير سكنية في القدس، ويهدد في العام الجديد بهدم منازل مئات المقدسيين أو طردهم منها على الأقل.

جمال جمعة االناشط في لجان المقاومة الشعبية للجدار والاستيطان اكد ان المشروع الاستيطاني يهدف لعزل الضفة عبر كنتونات صغيرةخبير الاستيطان جمال جمعة يقول إن هذه المخططات ليست جديدة ووضعت بعد اتفاق أوسلو 1993 (الجزيرة)
عام التغوّل الاستيطاني
وتزامنا مع الحصار الاستيطاني لجنوبي القدس، يقول الخبير في شؤون الاستيطان جمال جمعة إن الاحتلال يسعى لفصل أحياء القدس الشمالية عن محافظة رام الله والبيرة، من خلال مخطط “عطروت” لإسكان 50 ألف مستوطن على أرض مطار القدس الدولي في قرية قلنديا، بين القدس ورام الله.

ويذكّر جمعة، في حديث للجزيرة نت، بمشروع “إي 1” الذي يستهدف ربط القدس بعدد من مستوطنات الضفة الغربية الواقعة شرقها مثل “معاليه أدوميم”، وبمشروعي القطار الخفيف والشارع الأميركي اللذين يربطان المستوطنات الشرقية والغربية بمدينة القدس.

إلى جانب طريق إسرائيلي يمر أسفل حاجز قلنديا شمالا ويؤدي إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني وضمّها كمجمع استيطاني كبير وجعلها عاصمة لإسرائيل.

ووفق جمعة، فإن تلك المخططات ليست جديدة، وإنما وضعت بعد مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو عام 1993، لهدف إستراتيجي بعيد الأمد؛ هو منع إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.

ويختم قائلا إن “اتفاق أوسلو هو المظلة لكل ما يحدث، فضلا عن التطبيع العربي العلني. لا أحد يهتم، لكنني أيضا أحمّل الفلسطينيين المسؤولية، فعندما أشعلوا انتفاضتي الأقصى حرّكوا العالم ولفتوا أنظاره”.

المصدر : الجزيرة