كثرة المخالطة… تقسي القلوب

مخالطة المرضى والاحتكاك بأموات القلوب ومعايشة قساة المشاعر الإيمانية والمبيت وسط من يذكِّرونك بالدنيا وليس لهم من الآخرة نصيب ، وهؤلاء يجرونك نحو النار جرا ويوصدون في وجهك أبواب الجنة ، وفيهم يقول ابن القيّم رحمه الله :
” وكم جلبت خلطة الناس من نقمة ، ودفعت من نعمة ، وأنزلت من محنة ، وعطَّلت من منحة ، وأحلت من رزية ، وأوقعت في بلية ، وهل آفة الناس إلا الناس ، وهل كان علي أبي طالب عند الوفاة أضرَّ من قرناء السوء ؛ لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد ” .
وغني عن القول أن الصاحب جسر إلى الرحمة أو اللعنة ، والصديق سائق إلى الجنة أو النار ، لذا قصَّ الله تعالى علينا في القرآن قصة يوم الندم فقال : ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾ [ الفرقان : 27-28 ].
والقصة أن عقبة كان قد همَّ بالإسلام فمنعه منه أمية بن خلف وكانا صديقين ، وكان عقبة قد صنع وليمة فدعا إليها قريشا ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأتيه إلا أن يُسلم ، وكره عقبة أن يتأخر عن طعامه أحد من أشراف قريش فأسلم ونطق بالشهادتين ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل من طعامه ، فعاتبه خليله أمية بن خلف وكان غائبا ، فقال عقبة : رأيت عظيما ألا يحضر طعامي رجل من أشراف قريش ، فقال له خليله : لا أرضى حتى ترجع وتبصق في وجهه وتطأ عنقه وتقول كيت وكيت ، ففعل عدو الله ما أمره به خليله ؛ فأنزل الله عز وجل : ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ﴾ [ الفرقان : 27 ].
والظالم هنا هو عقبة بن أبي معيط وخليله هو أمية بن خلف ، ولم يُسمِّيا في الآية لأنه أبلغ في الفائدة ، ليُعلم أن هذا سبيل كل ظالم أطاع صاحبه في معصية الله.
قال مجاهد : ” الظالم عام في كل ظالم ” .
إشارة إلى كل ظالم اتخذ خليلا له يصده عن الذكر بعد إذ جاءه على يد نبيه ، ويصرفه عن ما فيه نجاته ، ليرتدع التابع ويرتجف رعبا هو يرى نفسه يُقرن بمن بصق في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وداس على عنقه وقُتل على يديه.
ومن يكن الغراب له دليلا .. يمرُّ به على جيف الكلاب
إن تأملا في من يُحشر معهم المرء يكفي للتخلص من أثر هذا السم في الحال ﴿ الأَخِلَّاْءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقيْنَ ﴾ [ الزخرف : 67 ] ، ولكن قساة القلوب من الظالمين أعاجم لا يفهمون لغة القرآن ، وهو سُم ليس لك تتهاون في تناول جرعة واحدة منه وإلا كان العطب ( لا تصاحب إلا مؤمنا ، ولا يأكل طعامك إلا تقي ).
وإن أي طالب للشفاء اليوم وباحث عن العافية سيفشل حتما ويظل متخبِّطا في الضلال والظلمة ، وكلما قام سقط ، وكلما تقدَّم تعثَّر ؛ ما لم يتخذ القرار المصيري الحاسم بهجر الرفقة المهلكة والتي تشده إلى الوراء وتهوي بإيمانه إلى الأسفل ، ولن تُجدي أبدا جرعة دواء ما دام يتبعها جرعة سم ، ولن تحصل عافية يوما ما دمت تُصبح وتُمسي بين أعداء العافية .. ألا فانتبه!!

أخي ..
كاذبٌ ثم كاذبٌ من ادعى قدرته على معايشة البيئة الفاسدة دون التأثر بغبارها ، لأن قلبه قلب بشر لا قلب مَلَك ، وسيتأثر حتما بالبيئة المحيطة سلبا أو إيجابا ، وإلا لماذا أمر الله رسوله المؤيد بالوحي والذي رأى الجنة والنار رأي العين بصيانة سمعه وبصره ومفارقة مجالس السوء؟ بل وحذَّره من أن يفتن بهم قائلا : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ [ الأنعام : 68 ] ، فإذا كان هذا التحذير للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أطهر القلوب وأنقاها وأشرفها وأزكاها ؛ بل وأبعدها عن التأثر بما يتأثر به غيره ، فكيف بغيره؟! بل لما ذهب إلى عرس من أعراس الجاهلية ألقى الله على عينيه بالنعاس صيانة له وحفظا.

سبب المرض
إن سبب الإقبال على صحبة السوء هو التشابه أو الغفلة ، فأما التشابه فقد كان مالك بن دينار يقول : ” لا يتفق اثنان في عِشرة إلا وفي أحدهما وصفٌ من الآخر ، وإن أجناس الناس كأجناس الطير ، ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران إلا وبينهما مناسبة. قال : فرأى يوما غرابا مع حمامة فعجب من ذلك ، فقال : اتفقا وليسا من شكل واحد ، ثم طارا فإذا هما أعرجان ، فقال : من ها هنا اتفقا ” .
ولذلك قال بعض الحكماء : كل إنسان يأنس إلى شكله ؛ كما أن كل طير يطير مع جنسه ، وإذا اصطحب اثنان برهة من زمان ولم يتشاكلا في الحال فلا بد أن يتفرقا ، وهذا معنى خفي فطن له الشعراء حتى قال قائلهم :
وقائل كيف تفارقتما … فقلت قولا فيه إنصاف
لم يك من شكلي ففارقته … والناس أشكال وألاف
وأما الغفلة فالمقصود بها : عدم الانتباه إلى سهولة انتشار العدوى وعموم البلوى بالمخالطة ، والإنسان بطبعه وحكم بشريته يتأثر بصديقه وجليسه ، ويكتسب أخلاق قرينه وخليله ؛ لأن رفقة السوء أعدى من الجرب ، ولربما يعدي السليمَ الأجربُ ، وقد قال ابو قدامة في كلام مختصر حواه كتابه مختصر منهاج القاصدين ، وهو يرصد فيه ما خفي عن غيره من الأطباء والمرضى من عواقب رفقة السوء :
” مسارقة الطبع من أخلاقهم الرديئة ، وهو داء دفين قلما ينتبه له العقلاء فضلا عن الغافلين ، وذلك أنه قلّ أن يجالس الإنسان فاسقا مدة ، مع كونه منكرا عليه في باطنه ، إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لوجد فارقا في النفور عن الفساد ، لأن الفساد يصير بكثرة المباشرة هيِّنا على الطبع ، ويسقط وقعه واستعظامه ، ومهما طالت مشاهدة الإنسان الكبائر من غيره ، احتقر الصغائر من نفسه ” .‏
ومن آثار صحبة السوء : الرضا عن النفس ، وما حال مريض يقارن نفسه بالأموات؟! أو يفرح أن وجد نفسه أعور بين قطيع من العُمي؟! أو يظن بنفسه الخير أن كان يهوي إلى أسفل وغيره أسفل منه ؛ كلاهما يهوي لكنه مطمئن أن أخاه أقرب منه إلى الهاوية!! وهو معنى قول ابن عطاء : ربما كنت مسيئا فأراك الإحسان صحبة من هو أسوأ حالا منك.
ومن آثارها : حالة الموت السريري أو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأن مخالطة الفاسدين تُضعِف قوة الإنكار في القلب ، ومع مرور الوقت تنعكس المشاعر ، وتتحول كراهة المنكر إلى حب له واستئناس به ، وحتى إن لم تنطمس الفطرة وتصل إلى هذا المنحدر يكون السكوت عن الإنكار حتى لا يخسر الصديق صديقه أو حتى يؤذي مشاعره!!
وجَّه علي باشا ماهر الدعوة للإمام الشهيد حسن البنا لحضور حفل زفاف ابنه بالإسكندرية ، فذهب الأستاذ المرشد إلى الإسكندرية ونزل عند الإخوان ، وكلف الأستاذ أحد الإخوة الذين رافقوه بالذهاب إلى الحفل ، وقال له : إذا لم تجد أي مخالفة شرعية فاتصل بي تليفونيا حتى أحضر ، وإذا وجدت ما يسبب أي حرج فقم أنت بالواجب ، وانتظر الأستاذ فترة ، ولم يتصل الأخ ، فقال الأستاذ للإخوان : ألا توجد مناسبة عند أحد الإخوة؟ قالوا : بلى ، عند فلان عقد زواج ، فذهبوا جميعا ، وكانت مفاجأة سارة ، وعمت الفرحة والبهجة .
ومن آثارها نفور الصالحين منك بعد أن أدنيت أهل السوء ، وهي وصية الواعظ أبي حازم لما دخل على أمير المدينة ، فقال له : تكلم. قال له : ” انظر الناس ببابك ، إن أدنيت أهل الخير ذهب أهل الشَّر ، وإن أدنيتَ أهل الشَّر ذهب أهل الخير ” .
فإذا وجدت الصالحين يهربون منك ولم تجد حولك غير قساة القلوب ، فاعلم أنك أنت السبب ، فلا يدخل الضوء مكانا حتى يطرد الظلام ، ولا يملؤ العسل وعاءً مُلئ بالعلقم.
ولهذا حذّر عالم المدينة وسيد التابعين في زمانه سعيد بن المسيب [ ت : 94 ] من مجرَّد النظر إلى الفئة الضالة فضلا عن مخالطتهم ؛ فقال متخذا أقصى درجات الحيطة ومتجنبا أولى خطوات الانهيار والسقوط :
” لا تنظروا إلى الظلمة فتحبط أعمالكم الصالحة ؛ بل هؤلاء لا سلامة في مخالطتهم ، وإنما السلامة في الانقطاع عنهم ” .