القدوة دعوة و عمل

الناسُ جميعًا يجدون من تأثير الواعظ العامل في نفوسهم ومن حلاوة قوله، وإن لم يكن بليغًا – ما لا يجدون من غير العامل، مهما كان فصيحًا بليغًا؛ ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33]، ويدخل في باب القدوة الحسنة الجهرُ بالعمل الصالح للترغيب فيه، والحث عليه، إن سكن صاحبُه إلى الإخلاص، وأمن شائبة الرياء، وله بهذا أجران؛ أجر العمل، وثواب القدوة.

روى مسلم عن أبي مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن دلَّ على خيرٍ، فله مثل أجر عامله))، وروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه، لا ينقص ذلك مِن أجورهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام مَن تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا)).

ولا يعارض هذا قولَه تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾[البقرة: 271]؛ حيث دلَّ ذلك على فضل إخفاء الصدقة، كما دل على فضل إخفائها حديثُ السبعة الذين يُظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله؛ لأن الآية الكريمة والحديث الصحيح في شأن المتصدق الذي لا يقصد أن يقتدى به، وأغلبُ الناس كذلك. أما الذي يبدأ بالخير ويُظهره حثًّا عليه، وترغيبًا فيه؛ حيث لا إيذاء ولا رياء – وهؤلاء قليل – فلا ريب أن جهره أفضل مِن سره. وإلا فإنَّ الرِّياء محبط للأعمال، والأعمالُ بالنيات، ولكل امرئ ما نوى.

ومما يدل على فضل القدوة، وعظيم أثرها، وأنها أفضل في النفوس من السيوف – أن الصحابة رضوان الله عليهم تباطؤوا في الحَلْق لَمَّا أمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم عقب صلح الحديبية تحللًا من العمرة التي لم يُمَكِّنهم المشركون منها، حتى دخل صلوات الله عليه على أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها – ومكانُها من العقل والفضل مشهور – فقال: ((هلك المسلمون؛ أمرتهم فلم يمتثلوا))! فقالتْ: يا رسول الله، اعذرهم، فقد حملتَ نفسك في الصلح أمرًا عظيمًا، ورجع المسلمون من غير فتح، فهم لذلك مكروبون، ولكن اخرجْ يا رسول الله، وابدأهم بما تريد، فإذا رأوك اتبعوك؛ فتقدم صلى الله عليه وسلم إلى هديه فنحره، ودعا بالحلاق فحلق رأسه، فلما رآه المسلمون تواثبوا على الهدي فنحروه وحلقوا!