العفة

قالوا : إيّاكِ أعني ، واسمعي يا جارة !

القول : إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة !
القائل : سهل بن مالك الفزاريّ
أمّا القصّة : فإنّ سهل بن مالك الفزاريّ ، خرجَ يريدُ النّعمان بن المنذر ، ملك اليمن الشّهير … وهو في طريقه إليه مرّ على قبيلة طيء …
فسألَ : من سيّد القوم ؟
فقيل له : حارثة بن لَأَمْ
فقصده، فلم يجده، فقالتْ له أختُ حارثة : انزلْ على الرّحب والسّعة، عما قليل يعود حارثة . فنزلَ سهلٌ ، ثمّ بعد قليل خرجتْ، فإذا بها جميلة فاتنة، عاقلة حصيفة، سيّدة بين النّساء ! فوقعتْ في قلبه، فجلسَ محتاراً لا يدري كيف يخبرها بإعجابه بها، فجلس في فناء خيمتها وهي تسمع، وقال :

يا أُختَ البدو والحضارة
كيف ترينَ في فتى فزارة

أصبحَ يهوى حُرّةً معطارة
إيّاكِ أعني ، واسمعي يا جارة !

فلمّا سمعتْ قوله، قالتْ :

إنّي أقولُ يا فتى فزارة
لا أبتغي الزّوج ولا الدّعارة

ولا فراق أهل هذي الحارة
فارحلْ إلى أهلك باستخارة

فقال : واسوأتاه، واللهِ ما أردتُ مُنكَراً !
فقالتْ له : صدقتَ !
فكأنّها تسرّعتْ في رفضها، إذ أعجبها كما أعجبته، وارتحلَ إلى النّعمان ، وفي طريق عودته، نزَلَ على أخيها حارثة، فأرسلت إليه ، أن اخطبني من أخي إن كان لكَ بي حاجة ! فخطبها، وتزوّجها، وسار بها إلى قومه !

الدّرس الأوّل :

إذا تعلّق الأمر بالقلوب، لا تكُنْ لجوجاً ! تقبّل الرّفض، فالقوّة لا تنفع في مثل هذه المواقف ! قرأتُ عن نوعٍ من الطّيور يعيش في جماعات، إذا أراد العصفورُ عصفورةً للزواج، أحضرَ حبّة قمح، وذهبَ إليها، ووضعها أمامها، فإن أخذتها يعلمُ أنها قبلته، وإن لم تأخذها علم أنها رفضته، فلا يقربها مرّةً أخرى ما دام على قيد الحياة ! فلا يكن الطيرُ أحسن تصرّفاً منّا، وأكثر كرامة !

الدّرس الثّاني :

المرأة بطبيعتها متمنّعة، والرّجلُ بطبيعته مُبادر، خصوصاً في أوّل العلاقة، فهي تُظهرُ أقلّ مما في قلبها، وهو يُظهر أكثر مما فيه، ذلك أنّ كلاً منهما مفطورٌ على هذا ، فهي مفطورة على أن تُطلب، وهو مفطور على أن يَطلب، وأحياناً لا يكون الرّفض رفضاً قاطعاً، إنما رفض فرضته تربيتها، وطبعها ذاك الذي فُطرتْ به ، حتى إن كثيراً من النساء يلزمنَ هذا الطّبع بعد زواجهنّ، فهي تُحبُّ أن تُطلب لا أن تَطلب !

الدّرس الثّالث :

ادخلوا البيوت من أبوابها ! نحن لا نملكُ أن ندفع حُبّاً يقتحمُ جنبات القلب عنوة، ولكننا نستطيع أن نمسك زمام تصرّفاتنا، فإذا أعجبتكَ فتاة، فاسلكْ إليها الطريق الذي تُحبُّ أن يُسلكَ للوصول لأختك !

الدّرس الرّابع :

لا تكنْ دجّاً، ولا تكوني عنيدة !
التلميح يكفي مؤونة الرّفض، ويحفظ الكرامات، ويدفع الإحراج عن الاثنين ، فلا تزهد فيه، وكان أفصح العرب أحسنهم كناية !
وأنتِ، العناد والثقل الزائد يُضيعان فرصاً قد لا تتكرر، والدنيا دار أسباب، ما دام القادمُ قد أعجبكِ، وسلكَ إليكِ طريقاً مشروعاً، فلمَ التردد اللابس عباءة الرّفض، إمّا أن ترفضي بلباقة، أو تقبلي برفق !

الدّرس الخامس :

كانوا أهل جاهليّة، لكنّهم كانوا أهل عِفّةٍ وشرف أيضاً، هو يُلمّحُ لها تلميحاً وما في قلبه إلا الحُبّ ! وهي ترفضُ رفضاً قاطعاً أوّل الأمر وما في نفسها إلا القبول ، فلّما عادَ، وأحسّتْ أنّها تسرّعتْ، قالت : اخطبني من أخي ! أي اطرقْ باب البيت، مثلي لا يخرج من النوافذ !
إن كُنّا سبقناهم بالإسلام، فالعار أن لا نسبقهم بالعفّة أيضاً !