الرضا جنة الدنيا

قال صلى الله عليه وسلم: «ذاقَ طعمَ الإِيمانِ مَنْ رَضِىَ باللهِ ربًّا، و بِالإسلامِ دِينًا، و بِمُحمدٍ رسولًا» [صحيح الجامع:3425]”. قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65]، وهذا هو الرضا {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة:59]،

الرضا شأنه عظيم وأمره كبير ومنزلته في الدين عالية، هذا الرضا عليه مدار أمورٍ كثيرةٍ من الأمور الصالحات، هذا الرضا الذي هو من منازل السائرين والسالكين.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: “وأما الرضا فقد تنازع العلماء والمشايخ من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في الرضا بالقضاء، هل هو واجبٌ أو مستحبٌ. والخلاصة: أن أصل الرضا واجب ومنازله العليا مستحبّة. والرضا له أصلٌ ومراتبٌ أعلى من الأصل. فيجب الرضا من جهة الأصل، فالذي ليس عنده رضا عن الله والدين والشرع والأحكام فهذا ليس بمسلمٍ، فلابد لكلِّ مسلمٍ موحّدٍ يؤمن بالله واليوم الآخر من درجةٍ من الرضا، أصل الرضا لابد أن يكون متوفّرًا؛ لأنه واجبٌ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ذاقَ طعمَ الإِيمانِ مَنْ رَضِىَ باللهِ ربًّا، و بِالإسلامِ دِينًا، و بِمُحمدٍ رسولًا» [صحيح الجامع:3425]”.

فالرضا الثابت بالنص هو أن يرضى بالله ربًا و بالإسلام دينًا و بمحمدٍ صلى الله عليه و سلم نبيًا، يرضى بما شرعه الله لعباده من تحريم حرامٍ أو إيجاب واجبٍ أو إباحة مباحٍ، يرضى عن الله سبحانه وتعالى ويرضى عن قضائه وقدره ويحمده على كل حالٍ و يعلم أن ذلك لحكمةٍ، وإن حصل التألم بوقوع المقدور، فإن قال قائل: لماذا يحمد العبدُ ربَّه على الضراء؟ إذا مسّه الضراء؟ فالجواب من وجهين:

1- أن تعلم أن الله أحسنَ كل شيءٍ خلَقه وأتقنَه، فأنت راضٍ عما يقع في أفعاله؛ لأن هذا من خلقه الذي خلقه ، فالله حكيم لم يفعله إلا لحكمةٍ.

2- أن الله أعلم بما يصلحك وما يصلح لك من نفسك، واختياره لك خيرٌ من اختيارك لنفسك. فالمسلم في أذكار الصباح والمساءوفي أذكار الأذان بعد “أشهد أن محمدًا رسول الله” الثانية يقول: “رضيتُ بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا”.

أما الرضا بالله: فيتضمّن الرضا بمحبته وحده والرضا بعبادته وحده أن تخافه وحده ترجوه وتتبتّل إليه وتتذلل إليه عز وجل وتؤمن بتدبيره وتحب ذلك وتفرده بالتوكل عليه والاستعانة به وتكون راضيًا عما يفعل عز وجل فهذا رضا بالله، ترضى بما قدّر و حكم.

الرضا بمحمدٍ صلى الله عليه و سلم نبيًا: أن تؤمن به وتنقاد له وتستسلم لأمره ويكون أولى بك من نفسك، وأنه لو كان موجودًا صلى الله عليه وسلم ووجِّهَ إليه سهمٌ وجب عليك أن تتلقاه عنه وأن تفتديه بنفسك، وأن تموت فداءً له. وترضى بسنّته فلا تتحاكم إلا إليها. ترضى بسنّته فلا ترجع إلا إليها ولا تُحَكِّم إلا هي.

الرضا بالإسلام دينًا: فما في الإسلام من حكمٍ أو أمرٍ أو نهيٍ فإنك ترضى عنه تمامًا وليس في نفسك أيّ حرجٍ وتُسَلِّم تسليمًا كاملًا لذلك ولو خالف هواك ولو كان أكثر الناس على خلافه ولو كنتَ في غربةٍ ولو كانت عليك الأعداء مجتمعون فيجب أن ترضى بأحكام الدين وتسعى لتنفيذها وإن خالفتَ العالم.

الرضا كسبيٌّ باعتبار سببه، موهبيٌّ باعتبار حقيقته. فإذا تمكن العبد في أسباب الرضا وغرس شجرة الرضا في قلبه جنى الثمرة. لأن الرضا آخر التوكل. بعدما يعجز التوكل يأتي الرضا. والذي ترسخ قدمه في طريق التوكل ينال الرضا. لأن بعد التوكل والتسليم والتفويض يحصُل الرضا، وبدونها لا يحصل الرضا. ولذلك لو قال أحدهم: نريد تحصيل الرضا، نقول له: يجب أن يكون لديك توكلٌ صحيحٌ وتسليمٌ وتفويضٌ ثم ينتج الرضا بعد ذلك. ولذلك لم يُوجِب الله على عباده المنازل العالية من الرضا؛ لأن ذلك شيءٌ صعبٌ جدًا، و أكثر النفوس ربما لا يحصُل لها ذلك. فالله ندب إليه ولم يوجبه، ليس أساس الرضا وإنما ما فوق ذلك، فإذا حصل للعبد شيءٌ فإنه لابد أن يكون محفوفًا بنوعيه من الرضا: رضا قبله، ورضا بعده. وكذلك الرضا من الله عز وجل عن العبد إنما هو ثمرة رضا العبد عن الرب سبحانه، فإذا رضيتَ عن الله رضي الله عنك. والرضا باب الله الأعظم وجَنة الدنيا ومُسْتَراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وهو من أعظم أعمال القلوب. قال يحيى بن معاذ لما سئل: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ قال: “إذا أقام نفسه على أربعةِ أصولٍ يُعامِل بها ربه، يقول: إن أعطيتني قبلتُ، وإن منعتني رضيتُ، وإن تركتني عبدتُ، وإن دعوتني أجبتُ”. والرضا إذا باشر القلب؛ فإنه يدل على صحة العلم وليس الرضا والمحبة كالرجاء والخوف، فمن الفروق أن أهل الجنة مثلًا لا يخافون في الجنة ولا يرجون مثل رجاء الدنيا. لكن لا يفارقهم الرضا أبدًا. فإن دخلوا الجنة فارقهم الخوف {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:38]

الرضا عن الله لو تحققت في صدر العبد؛ تميز بين مستويات العباد و ترفع هذا فوق هذا، ينبغي التفطّن لها، كما تعمل بالجوارح هناك أعمال قلوبٍ لا تقل أهميةً بل هي أعلى منها، مع الجمع بين الواجب من هذا وذاك. ولكن قد يدرك الإنسان أحيانًا بتفطّنه وتأمله وتفكّره وإيمانه مراتب أعلى من الذي أكثر منه عملًا بالجوارح، ولذلك يقول ابن القيّم: “فطريق الرضا و المحبة تسيّر العبد وهو مستلقٍ على فراشه فيصبح أمام الركب بمراحل”.