الذكرى 1057 لميلاده.. الحسن بن الهيثم رائد العلم التجريبي

لأول من يوليو/تموز ذكرى مولد العالم العربي المسلم أبا علي الحسن بن الحسن بن الهيثم الذي تحتفي به مُختلف المجتمعات الثقافية، مثل هيئة اليونسكو والمجتمعات العلمية، رائدا للمنهج العلمي الحديث وعلم البصريات، وهو العالم الذي قدم إسهامات عدة بمجالات البصريات والرياضيات والفضاء، وهو أول من طبق منهاجه العلمي التجريبي الخاص كوسيلة لإثبات الفرضيات.

يعتمد الباحثون حول العالم على تطبيق “المنهج العلمي” خلال دراساتهم المختلفة، وطبقا للموسوعة البريطانية “بريتانيكا” (Britannica) فإن المنهج العلمي هو تقنية رياضية تجريبية يستخدمها الباحثون من أجل بناء واختبار الفرضيات العلمية.

ويتضمن “المنهج العلمي” عمليات متتالية من الملاحظة، وطرح الأسئلة الهامة ومن ثَم الإجابة عنها بإجراء الاختبارات والتجارب، وهو يساعد الباحثين على تطوير النظريات العلمية التي تشرح القوانين الاستقرائية (أو التجريبية) بطريقة علمية منطقية، وهي الطريقة التي اعتمدها ابن الهيثم بديلة عن التفكير المجرد.

اقرأ أيضا

ابن الهيثم عاش شطرا كبيرا من حياته في القاهرة بالقرب من مسجد الأزهر حيث كتب مؤلفات عدة (شترستوك)
نظريات الإبصار وأول كاميرا
تأثر ابن الهيثم بالفلسفة اليونانية القديمة، وقت أن كانت تتضمن دراسة مُختلف العلوم الطبيعية والنظرية بما يتضمن الهندسة والرياضيات، ودرس نظريات العديد من العلماء وعلى رأسهم أفلاطون الذي أرجع سبب رؤيتنا للأشياء إلى خروج الضوء من العين وسقوطه على الأجسام.

واستكمل العالم إقليدس النظرية، فأكد خروج تلك الأشعة من العين في خطوط مستقيمة تتباعد مكونة المجال البصري، وأشار إلى أن الضوء ينتقل من نقطة لأخرى عبر أقصر مسافة ممكنة. بعدهما درس بطليموس حركة الضوء خلال الماء موضحا انكساره وعدم سيره في خط مستقيم.

ولاحقا درس العالمان العربيان الكندي والفارابي تلك النظريات عبر النظر إلى الفضاء الواسع، فاستنتجوا أن رؤية الأجسام البعيدة مثل النجوم تنتج عن الضوء النابع منها، وهو ما يتعارض مع نظرية خروج أشعة ضوئية من العين، الأمر الذي يستدعي مزيدا من البحث والتدقيق.

افترض هذا العالم العربي المسلم بعد دراسته كافة النظريات السابقة أن العين ما هي إلا أداة تستقبل الأشعة الضوئية المنعكسة على الأجسام، ولإثبات فرضيته اعتمد على تطبيق منهاجه العلمي التجريبي، فأجرى ما يُعَد أولى التجارب العلمية في التاريخ بعيدا عن المسائل الرياضية النظرية البحتة.

أجرى ابن الهيثم تجربته داخل ما يُشبه الغرفة، وصنع فتحة صغيرة في أحد جوانبها، ثم وضع مصباحين للإضاءة في نقطتين محددتين خارج الخيمة، وقد لاحظ أن الضوء أنار نقطتين محددتين داخل الخيمة، ووقوع هاتين النقطتين على خط مستقيم واحد مع المصباحين. وأعاد التجربة بعد أن غطى أحد المصباحين، فوجد الضوء ينير نقطة واحدة فقط داخل الخيمة، وهو الضوء الصادر عن المصباح غير المغطى.

كانت تلك التجربة بمثابة أول كاميرا في التاريخ، واسم “كاميرا” مشتق من الكلمة العربية “قمرة” وتعني الصندوق المظلم، وأكدت التجربة صحة فرضية ابن الهيثم، وهدمت نظريات كبار علماء اليونان المتعلقة بالرؤية.

أفلاطون أرجع سبب رؤيتنا للأشياء إلى خروج الضوء من العين وسقوطه على الأجسام (شترستوك)
إضاءات على بعض الإسهامات
يُعَد كتاب “في المناظر” أشهر وأهم مؤلفات ابن الهيثم، وقد تُرجم فيما بعد إلى اللاتينية تحت اسم “Opticae Thesaurus” ويتضمن 7 مجلدات في شرح خصائص الضوء عبر التجريب والرياضيات. وقسم ابن الهيثم طبقا لدراساته مصادر الضوء إلى 3 أنواع: المضيئة والعاكسة والناقلة، وشملت تجاربه شرحا لخصائص الضوء الديناميكية واعتباره نوعا من الحركة، كما استفاض في شرح انكسار الضوء، وهو واضع نظرية الإبصار الدقيقة التي يعتمد عليها الباحثون حتى يومنا هذا.

وأكد ابن الهيثم خلال كتاباته ضرورة تطوير النظريات بالاعتماد على التجريب وجمع البيانات بديلا عن التفكير المجرد، وفي كتابه “الشكوك ضد بطليموس” قال “على دارس الكتب العلمية بهدف معرفة الحقائق تحويل نفسه خصما لكل ما يدرسه، إن اتباع الدارس لهذا المسار يضمن كشفه للحقائق”.

وقد تأثر العديد من علماء الغرب خلال العصور الوسطى بما قدمه ابن الهيثم من نظريات، لعل أشهرهم العالم الإيطالي غاليليو الذي استعان بنظريات عالمنا العربي المسلم الضوئية والبصرية في بناء أول تليسكوب في التاريخ، وهو ما ساعده على اكتشاف نجوم عدة وأقمار بعض الكواكب، كما تأثر به بشده العالمان روجر بيكون ويوهانس كبلر.

ابن الهيثم بين البصرة والقاهرة
يذكر أن ابن الهيثم كان ولد بمدينة البصرة عام 965 ميلادية/354 هجرية، وأطلق عليه علماء العرب بطليموس الثاني، ويُعرف في الأوساط العلمية الأوروبية باسم “Alhazen”. درس علوما عدة من بينها: الرياضيات والميكانيكا والفضاء والفيزياء والطب والفلسفة، وقد كان أحد علماء القمة خلال القرنين العاشر والـ 11 إلى جانب البيروني وابن سينا.

ويُذكر عن ابن الهيثم عمله بدايات حياته موظفا حكوميا بالبصرة حتى صار وزيرا بها، لكنه آثر تكريس حياته لدراساته العملية، فانتقل إلى القاهرة في عهد الخليفة الفاطمي “الحاكم بأمر الله” الذي ذاع عنه اهتمامه بالعلوم، وأنشأ مرصدا فلكيا للعالم ابن يونس، كما أنشأ مكتبة دار العلم. وقد اقترح ابن الهيثم آلية لتنظيم مياه فيضان النيل عبر إنشاء ما يُشبه سد أسوان الحالي، إلا أن ضعف الإمكانيات ذلك الوقت حال دون حدوث ذلك.

وعاش ابن الهيثم ما تبقى من حياته في القاهرة بالقرب من مسجد الأزهر، وكسب المال عن طريق نسخ النصوص والمؤلفات اليونانية المترجمة، وعكف على الدراسة وكتابة المؤلفات التي وصل عددها ما يقرب من 92 مؤلفا، وصلنا منهم 55 فقط، وشملت مؤلفاته 25 دراسة رياضية، و44 في مجالات الفيزياء والميتافيزيقيا المستنبطة من أرسطو، وأخرى بمجالات الأرصاد الجوية وعلم النفس.

المصدر : مواقع إلكترونية
2 شبكة الجزيرة الاعلامية