الحجاب راية حرية

الحجاب راية حرية

ياسر أبو هلالة

نشرت “بي بي سي” فيلماً استقصائياً عن التمييز ضد المحجّبات في مصر، وهو ما عكس تعقيد إشكالية الحجاب وكشف الرأس؛ فالبلد قد يضم أكبر نسبة محجّبات في العالم، وزوجة الرئيس كما كبار المسؤولين وبناتهم محجّبات، وشغلت المرأة المحجّبة مناصب عليا كالوزارة وغيرها. فالتمييز ليس قراراً رسمياً ولا أمنياً، بقدر ما هو ثقافة إقصائية تختبئ في داخل الإنسان. وهذا لا يقتصر على أكبر بلد عربي، بل يشمل العالم كله، فالغرب الذي تأسّست حضارته الحديثة على قاعدة الليبرالية والحريات الفردية والعامة، تعلو فيه الأصوات ضد الحجاب باعتباره انتهاكاً لحرية المرأة، والواقع أن التمييز ضد الحجاب يوازيه تمييزٌ ضد غير المحجّبات في المجتمعات العربية والإسلامية، وفرض للحجاب بالقوانين وبالأعراف، وبالنتيجة ثمّة تخادم بين التمييزَين مع وضد، وكلاهما يتغذّى من الآخر.

التمييز ضد المحجّبات ليس غربياً ابتداءً، أكثرية المحاكم في الغرب انتصرت لهن، والقوانين، باستثناء فرنسا، تقف معهن، وشغلن مناصب من مستشارة في البيت الأبيض وعضو في الكونغرس إلى شرطية في لندن. التمييز بدأ في بلادنا ويتواصل دون وجود الحماية القانونية الموجودة في الغرب. في إيران عام 1936 شرّع الشاه قانونا يفرض خلع الحجاب، وسبقه عام 1929 قانون يخصّ ملابس الذكور (توحيد ملابس الإيرانيين داخل البلاد). ويربط المؤرّخون توجّهات الشاه بتأثره بمصطفى كمال أتاتورك. كتب صدر الأشراف في ذكرياته عن تأثير رحلة تركيا على رضا شاه: “وبعد رحلته إلی تركيا كان رضا شاه في كثير من الأحيان، وضمن إشارة إلى التقدّم السريع في تركيا، يشجّع ويتحدّث عن كشف حجاب النساء وحريتهنّ”. وبعد عودته من تركيا، حاول رضا شاه، على الفور، بتنفيذ وتطبيق ما تعلّمَه من نظيره التركي.

وفق قوانين الفيزياء، تشكّلت ردة فعل معاكسة في البلدين، بعد الثورة الإسلامية في إيران فرض الحجاب، وفي تركيا، كانت مسألة الحجاب قضية جوهرية في الصراع السياسي، ولا تزال. وصار هوية سياسية أكثر منه التزاماً دينياً. أذكر عندما كنت في أنقرة في أوج انتصار أردوغان في 2003 كيف منعت زوجات كبار المسؤولين المحجّبات من حضور الاحتفالات الرسمية بسبب ارتداء الحجاب. عربياً، لم نشهد تحويل قضية الحجاب إلى استقطابٍ إلا في تونس، وبدرجة أقل في سورية.

في تونس، بعد انتصار الثورة في 2011 صدمت عندما استمعت إلى شكوى عن إلزام المرأة بخلع الحجاب في الصورة الرسمية، وعندما حقّقت في الشكوى، ردّت وزارة الداخلية بأنها تنفذ التعليمات والقانون. وبالفعل، تبيّن أن نصاً قانونياً يلزم بذلك، وفي ظل أجواء الثورة ألغي النص. في سورية، أنزل رفعت الأسد، في ظل المواجهة مع الإخوان المسلمين، “سرايا الدفاع” لخلع حجاب نساء دمشق. في سورية، كما في تونس وفي تركيا وإيران، صار الحجاب راية حريةٍ في مواجهة الاستبداد وهوية في مواجهة التغريب. اليوم في تونس توجد في حركة النهضة غير محجّبات، ومنهن رئيسة بلدية تونس، وهي أول عربية تُنتخب عمدة للعاصمة. وأذكر في زيارة للشيخ راشد الغنوشي عمّان عام 1990 انتقاده الحركة الإسلامية بأنها تحوّلت إلى حركة تصميم أزياء، عندما تتدخل في تفاصيل لباس المرأة وحجابها.

تورّط الإسلاميون في التمييز ضد المحجّبات ونشر ثقافية إقصائية. سواء ضد المسلمات غير المحجّبات أو ضد غير المسلمات، لكن تلك المرحلة صارت تاريخاً، والصرعة اليوم هي دواعش العلمانيين العرب الذين يرفضون جوهر العلمانية القائم على حقّ الاختيار، لا يحرّكهم غير معاداة الإسلام والإسلاميين ويريدون إحياء عظام أتاتورك ورضا بهلوي، وهي رميم، ويتحالفون مع أوسخ ما في الغرب من تياراتٍ معاديةٍ للإسلام، ولا يرون في ثقافتنا وتاريخنا وواقعنا إلا استعباد المرأة وامتهانها.

المطمئن أن ثقافة التنوع مستقرّة وراسخة في الغرب مهما واجهت من تحدّيات، والمفارقة أن من فرضوا خلع الحجاب قديماً وحديثاً بذريعة التغريب فاتهم أن التغريب الحقيقي يؤمن بالتنوّع، وأن تكون كما تريد لا كما يريدون. وعندما ترتدي امرأة الحجاب، هي تمارس حرّيتها، وقد تدفع حياتها ثمناً لارتدائه، تماماً كما دفعت الإيرانية مهسا حياتها ثمناً لخلعه.