التي نالوا بها الملك

.

وصفحات التاريخ شاهدة على زوال الامبراطوريات العظمى التي أسقطها البذخ والترف، فالامبراطورية الفارسية، استحوذت عليها تلك الآفة، ودليل ذلك كثرة ما تركوه من الأموال والكنوز والثياب والأواني والعطور ما لا يحصيه إلا الله، عندما خرجوا من العراق إبان الفتح الإسلامي. وقد ذكر آرثر كريستنسين في كتابه «إيران في عهد الساسانيين، أن يزدجرد آخر ملوك فارس لما فرّ من المدائن، أخذ معه ألف طاهٍ، وألف مغنٍ، وألف قيّمٍ للنمور، وألف قيّم للصقور، وآخرين، وكان يستقل هذا العدد. فهذا الترف الزائد الذي يعتمد على مقدرات الشعوب، يوهن بُنيتها الاجتماعية ويفككها، عندما يتحول المجتمع إلى فئة تزرع على قوت يومها، وفئة تحصد وتتقلب في النعيم، وتفرض على الناس زيادات باهظة في الضرائب، وتسن القوانين لمزيد من ابتزاز الفلاحين والصناع وأهل الحرف التي تثقل كاهلهم. الأمر ذاته حدث في الإمبراطورية الرومانية، التي قامت على أساس الترف، الذي يوفره ثلاثة أرباع سكانها من العبيد للربع الباقي من الأشراف، وعلى أساس التفرقة بين السادة والعبيد وبين الطبقات الكريمة والوضيعة في نصوص القانون، ونتيجة الترف الزائد كان النبلاء والوجهاء يعتبرون أن مهمة حماية الرعايا من العدو الخارجي، أكبر مسوغ لسلب أموالهم، حتى أوجز أحدهم سياسة الإمبراطورية بقوله: «الراعي الصالح يجز صوف غنمه ولا ينتفه».

يكفي أننا مستهدفون من أعدائنا من خلال صبغ حياتنا بالترف، وقد جاء في البروتوكول السادس من بروتوكولات حكماء صهيون: «لكي نخرب صناعة الأميين (أي غير اليهود) سنشجع حب الترف المطلق الذي نشرناه من قبل». إن الحياة أثمن وأسمى من أن تُضيَّع في هذا النمط المعيشي، فأموالنا أمانة قد استُخلِفنا عليها، وينبغي ترشيد إنفاقها وتوجيهها إلى ما ينفع صاحبها، ويتعدى هذا النفع إلى مجتمعه الذي يعيش فيه، وليحذر أهل الترف من دولة الأيام وتبدل الأحوال، ومن قبل جاءت النصيحة بـ «اخشوشنوا» والله غالب على أمره لكن أكثر الناس لا يعلمون.