التقييم الإنساني بين الأحداث والأشخاص

بقلم محمد كمال

قال تعالى “أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ” الزخرف 52

من فظائع التقييم أن نعلق حكمنا على الأشخاص بذواتهم، فيكون التقدير وفق المزاج أو وفق مواصفات غير منضبطة، من شكل وحجم وصوت ولون شعر … وهكذا ننزل إلى قاع من التفاهات تفسد ميزان العدل والمنطق، فالأصل في الأحكام يجب أن يتعلق بالأحداث والوقائع وليس بالأشخاص والذوات.

لقد كفر فرعون بموسى لأسباب لا تتعلق بشيء من المنطق السليم، ورفض الإيمان به لفقره ولعدم وضوح عبارته حين الغضب، وهي أسباب لا علاقة لها بالفكرة المطروحة، ومن هنا جاء سوء التقدير.

وفي قوله تعالى من سورة النساء “إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا” مثال صارخ لا يعتريه لَبْس أو غموض في ضبط قاعدة التعامل مع الأشخاص وبيان كيفية الحكم عليهم.

ذلك أن رجلا من المسلمين لعبت به نفسُه فأغواه شيطانه أن يسرق دقيق سميد من رفاعة بن زيد بعض ذوي اليسار من أهل المدينة، وكان السارق من بني أبيرق، فلمّا افتضح أمره طرح المسروق في دار أبي مُليل الأنصاري . وقيل : في دار يهودي اسمه زيد بن السمين ، وقيل : لبيد بنُ سهل، وأياً كان، وهنا انتفض القرآن يدافع عن مبدئ وقيمة، فوّجه في صرامةٍ حكمَه ألا تكون هناك مهادنة مع خائن، لا يهم من يكون هذا الخائن ولا من يكون هذا الأمين، فتقدير الأشخاص يكون بمواقفهم وأعمالهم.

فالأحكام يجب أن ترتبط بالأفعال والأعمال دون الأشخاص، والمقصود وضع قيمة نقدر على ضبطها والرجوع إليها، وما لا سبيل لنا إلى ضبطه فليس لنا حق في تقرير حكمه، ولعله من هنا جاء في بيان أمور العقيدة ألا نحكم على معين بجنة أو نار، لأننا لا نملك معيار قبول الأعمال وردِّها، لا ندرك منها سوى الظاهر الذي ربما يكون منخور الكيان فاسد البنية مرذول القدر، وربما يحمل في طياته من السوء والشر ما يجعله منكوساً باطلاً.

والمجتمعات التي تقدر الأشخاص بانتمائهم الذاتي من شكل ولون وطول وعرض أو غير ذلك مما يتخذه الناس من مقاييس مجتمعات تتهاوى تحت أقدام الفشل.

ولعل بعضاً من أسرار نجاح الغرب أنهم ينظرون للأشخاص باعتبار ما يحملون في عقولهم وما يبذلون من قواهم، لا يعنيهم في ذلك السبيل لون ولا جنس ولا مظهر، كل ما يعنيهم ماذا يقدر أن يقدم ذلك الشخص.

ولقد قابلت متخصصين مهاجرين قدموا بلادا لم يعرفوها فتقدموا أبناء البلد في مجالات شتى بما قدموا وتسنموا الذروة بما أسهموا وأبانوا عن عقل واعٍ وفكر وَقّاد ثاقب.

لقد قدّم النبيّ صَلّ الله عليه وسلم سلمان على غيره لرجاحةعقله وحسن معرفته وتجربته، وتقدم في المجتمع الإسلامي الأول عبيد كانت لهم الصدارة في القيادة العلمية والمعرفية ودان لهم العرب واتخذوهم مرجعيات في مجالات متعددة.

فإنه حين يدرك البشر جميعا أنهم شركاء في الحياة متساوون فيما بينهم في فرصها لا يتقدم واحد منهم على الآخر دون ما يُحْسنه من عمل ونتاج لصالح المجموع الكلي حينئذ سوف تضع البشرية قدمها على طريق الاستقرار الذي وعد الله به نبيه وعبده آدم حين أولاه خلافة الأرض.