التقوى هو المخرج…

{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرً}

{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مخرجا}

إذا كنا اليوم نعاني من شدة ومن ضيق ومن كرب ومن عسر في المعيشة فما أصابنا من مصيبة إنما هو بما كسبت أيدينا ويعفو ربنا عن كثير، ولقد أوضح لنا ربنا سبحانه أن المخرج من ذلك كله إنما هي التقوى، فما هي التقوى؟ التقوى أن ألتزم طاعة الله وأجتنب معصيته، أن ألتزم طاعة الله فيما أمرني به؛ فيما يتعلق بصلتي به سبحانه وتعالى فأؤدي العبادات على الوجه الذي أمرني به، وفي صلتي مع نفسي؛ فأكون أميناً على نفسي من أُعرِضَها لأذى أو شر أو سوء أو فساد ، فنفسي أمانة ائتمنت عليها، أنا هذا الجسم وهذا العقل، وهذا الوعي، وهذه العواطف ينبغي أن أرعاها خير رعاية وأنا مؤتمن عليها، وأن ألتزم طاعة الله عزَّ وجل في علاقتي مع الآخرين، في علاقتي مع أسرتي فأؤدي الذي علي، وأحسن معاملتها على النحو الذي أمر الله عزَّ وجل به؛ ليتحقق بذلك معنى الرحمة والإحسان والإصلاح واللطف، وأن أؤدي لكل ذي حق حقه في هذه الأسرة، فحق الأولاد أن أربيهم التربية الصالحة وأن أنفق عليهم من حل المال. وحق الزوجة أن أعاشرها بمعروف وأعطيها حسن الخلق وحسن المعاشرة كما أمر الله عزَّ وجل، وحق الرحم أن أصلهم وأتفقد حالهم، التقوى أن أقف عند الحدود التي أمرني الله عزَّ وجل بها وأن أمارس الواجبات التي أمرني الله عزَّ وجل بالتزامها، التقوى إزاء المجتمع، والمجتمع هنا هو الكل، كل المرافق العامة، الشارع والحديقة والمسجد والجار، فلا أعتدي على حقوق الآخرين، التعدي على حقوق الآخرين اليوم أصبح مرعى خصباً لكل مشتهٍ.

التقوى إذا مارسناها وإذا التزمنا بحدودها وإذا كنا وقافين عند حدودها بسلوكنا وتصرفاتنا يقول سبحانه وتعالى: )يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ( من هذا الضيق الذي نعاني منه من هذا الكرب الذي نقاسيه من هذه الفتنة التي تأججت نيرانها في حياتنا، نعم هناك مجرمون؛ ولكن لماذا تسلط علينا المجرمون؟ هناك دول متآمرة؛ ولكن لماذا تآمرت علينا؟ ولماذا استطاعت أن تتمكن من تنفيذ مؤامراتها فينا؟ لأننا لم نتق الله ومن يتق الله ويلتزم حدود وينفذ أوامره ويجتنب أوامره فيما يتعلق بعلاقته مع ربه وفيما يتعلق بعلاقته مع مجتمعه وفيما يتعلق بعلاقته مع أسرته في الشؤون المالية وفي الشؤون الاجتماعية وفي سائر الشؤون جعل له فيما نعاني منه من هذا الضيق فرجاً ومخرجاً )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ( هذه الضائقة في المعيشة والتي لم نعهدها سوف تنتهي بإذن الله سبحانه وتعالى؛ ولكن إذا اتقينا الله عزَّ وجل، ألم يقل الله عزَّ وجل )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا # وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ( ؟ أرانا الله كيف رزقنا قطر السماء بدون معايير وبدون حساب تدفقت الأمطار بكل سخاء، وكأنه يقول لنا أبواب رحمتي مفتحة ألا فلجوا فيها واقتربوا إليها، وتعاطوا أسباب الوصول إليها، إذا كنا نعاني من عسر في شؤوننا وحياتنا فإن التقوى هي سبيل اليسر ) وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ( وإذا كنتم تريدون أن تبلغوا منزلة القرب إلى الله فالتقوى وسيلة التقرب إلى الله، وسبب الأجر العظيم من عند الله عزَّ وجل ) يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا( وعندما نكون متقين يكون الله معنا. أما إن تخلى عن التقوى فإننا سنخسر، سنخسر عناية المولى ورعاية الله عزَّ وجل ومعيته لنا بالتأييد والنصر والفتح والتوفيق.