احتفالات العيد في تركستان الشرقية.. حقيقة أم مناورة إعلامية؟

عبد الوارث عبد الخالق

يشترك المسلمون في كافة بقاع المعمورة بشعائر ومظاهر الاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية، فمثلا في صلاة العيد، يرتدون أجمل الثياب ويتبادلون التهاني ويتنقلون لزيارة الأقارب، ثم يبدؤون بمعايدة الجيران والأصدقاء، يضاف إلى ذلك شعيرة الأضحية في عيد الأضحى، وهي ذات الأجواء التي كنت أعيشها بطفولتي في تركستان الشرقية، وليست المظاهر الصورية التي نُقلت لاحتفالات العيد هناك.

إن ما أظهرته الحكومة الصينية لاحتفالات عيد الأضحى في تركستان الشرقية وتناقلته وسائل الإعلام؛ لا يزيد على كونه مشهدا صوريا لا تختلف تفاصيله عن أول صلاة عيد الفطر في البلاد بعد حظر دام 6 سنوات، وما هو إلا صورة جديدة من صور القهر الممارس على مسلمي الإيغور، ولا يمكن بأي حال أن يُصدَّق ما تروج له حكومة تحتل دولة منذ 74 عاما، وهي مَن تمارس بحق الشعب أقسى ألوان الاضطهاد القائم على أساس ديني.

فمنذ احتلال الصين لدولة “تركستان الشرقية”؛ ركزت على هدم الجانب الديني والعقدي لدى الشعب، متناسية كل المواثيق الدولية المنصوص عليها لضمان حقوق الإنسان وحقه في حرية العقيدة، معتمدة في ذلك على قتل العلماء، وهدم المدارس والمساجد أو تحويل بعضها إلى دور ملاهٍ ليلية، وحرق المصاحف، ومنع المسلمين من أداء الصلوات والصيام أو إقامة أي شعائر دينية في البلاد.

ومع ظهور الربيع العربي وبعد عام 2013، شددت الصين قبضتها على الشعب التركستاني، ومنعت أي مظهر من مظاهر الدين، وبعد تعرضها لانتقادات دولية بدأت تظهر احتفالات المسلمين بعيديّ الفطر والأضحى المباركين، وذلك بترتيب مسرح صوري للصلاة وإجبار الناس على الرقص أمام الجامع، في مشهد مضحك مُبكٍ يتنافى مع تعاليم ديننا، كما لا يتسق مع عادات شعبنا، ولا يعدو عن كونه مناورة إعلامية جديدة ينشرها ويروج لها إعلام تابع للحكومة.

فقد ظهر مؤخرا أمام العالم كم هائل من الصور والبيانات الخاصة بالمعتقلين في المعسكرات الصينية بتركستان الشرقية، وذلك بعد اختراق أجهزة الحاسوب التابعة للشرطة، وتلك المعسكرات هي التي يتعرض فيها التركستانيون إلى الإبادة الجماعية الممنهجة، ويتم استغلالهم للعمل بالسخرة، كما يتعرضون للتعذيب والاغتصاب وسرقة الأعضاء.

وكشفت الملفات المسربة أن معسكرات الاعتقال التي تدعي الصين أنها “لإعادة التعليم” ما هي إلا “معسكرات نازية” يتعرض فيها مسلمو تركستان الشرقية إلى التجريد من هويتهم الدينية. ولم يكن هناك أي جرم ارتكبه هؤلاء سوى ظهور ما يثبت تمسكهم بالمعتقدات الإسلامية؛ كحيازة أحدهم للمصحف، أو بروز أي مظهر من مظاهر الالتزام الديني، ومن هنا يبدأ الاضطهاد والاعتقال الذي لا يخلو من التعذيب وعمليات اغتصاب ممنهج وتعقيم قسري للنساء.

كما أن الأُسر خارج المعسكرات الصينية لم تنجُ من الرقابة المشددة لتفاصيل حياتها، حيث جندت الصين إمكاناتها الرقمية في المراقبة باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي لمراقبة حديث المسلمين الإيغور وتحركاتهم، كما أن هناك شبكة مخصصة لمراقبة كل 15 أسرة، ويتم تعيين مراقبين للإبلاغ عن أي أسرة أو شخص يمارس أي نشاط مشبوه (الممارسات الإسلامية؛ كرفض أكل لحم الخنزير أو رفض شرب الخمور أو صيام شهر رمضان أو غيرها من الشعائر الدينية).

ومؤخرا أظهرت وثائق للحزب الشيوعي الحاكم أن هناك أعدادا قدرت بالآلاف من رجال الشرطة والأمن والجيش تم تحديد مهامهم في مراقبة الأسر، حيث يقيم كلّ رجل أمن مع الأسرة المسلمة بالإجبار، تحت ما يسمى “مشروع القرابة”، ويعرّف نفسه على أنه أحد أقارب العائلة، ويراقب حركاتهم وسكناتهم. وتمارَس على هؤلاء انتهاكات جسيمة، منها الاعتداء الجنسي على النساء والأطفال، ويحدث ذلك حتى في وجود الزوج، الذي أصبح عاجزا عن الدفاع عن أهل بيته وعرضه.

وبمثل هذه الممارسات يعتبر مسلمو الإيغور رهائنَ قيد الاعتقال حتى في بيوتهم، وهم مجبرون على التخلي عن دينهم ومعتقداتهم، وتنتهك كرامتهم وتُمحى هويتهم ولغتهم على مرأى ومسمع من العالم أجمع، ولا أحد يحرك ساكنا.

إن ما يحدث في تركستان الشرقية أعمال إبادة جماعية ممنهجة يندى لها جبين الإنسانية. وما تقوم به الصين تجاه شعب “تركستان الشرقية” جرائم صنفتها مؤسسات حقوقية دولية بأنها جرائم إبادة جماعية ممنهجة، ولهذا أتعجب من ازدواجية المعايير وصمت العالم على ما يحدث من انتهاكات وجرائم. ولعل تعمد العالم غض ضميره عن النظر إلى ملايين المعتقلين في المعسكرات الصينية والمضطهدين خارجها، جعلني أتساءل كيف يمكن للعالم أن يقف مكتوف الأيدي؛ عاجزا عن إنصاف ما يزيد على 30 مليون مسلم (وهو عدد السكان الأصليين لتركستان الشرقية)، رغم أن لهم تاريخا يمتد لآلاف السنيين.

وهنا، وانطلاقا من نصوص المواثيق الدولية وحقوق الإنسان، أتساءل؛ متى يُبصر العالم ويتحرك لوقف الإبادة الجماعية الممنهجة لشعب تركستان الشرقية؟